تحيي مدارسنا العربيّة في حيفا، الجمُعة، الثّلاثين من تشرين الثّاني، يوم تكريم المعلّم بجملة من الفعّاليّات التربويّة والاجتماعيّة، بالتّعاون بين إدارات المدارس وأقسام التّربية الاجتماعيّة فيها ومجالس الطلّاب ولجان أولياء الأمور. وتأتي هذه الاحتفاليّة بالمعلّم العربي بمبادرة من جمعيّة التّطوير الاجتماعيّ في حيفا، وبالتّعاون مع عدد من الهيئات التربويّة والمجتمعيّة، حيث كان من المفروض أن تتوّج النشاطات بأمسيّة فنيّة راقية، لكن وبسبب الأوضاع الحربيّة الأخيرة، تمّ تأجيل الأمسيّة إلى موعد لاحق، بينما تواصلت النّشاطات والفعّاليّات داخل المدارس.

هذا وسيقوم طاقم العاملين في جمعيّة التّطوير الاجتماعيّ، وأعضاء في اللّجنة التحضيريّة لاحتفاليّة المعلّم، هذا اليوم، بالوصول إلى المدارس لتكريم المعلّمين، والمشاركة في البرامج الهادفة لذلك. واستمرارًا لنهجنا في مواكبة احتفال تكريم المعلّم/ة، التقينا عددًا من مديري وميدرات المدارس الّذين أدلوا بآرائهم حول الاحتفاليّة، ومكانة المعلّم في عصرنا؛ حيث وجّهنا لهم ثلاثة أسئلة، كانت:

- يكرّم مجتمعنا العربيّ في حيفا، في هذا الشّهر، المعلّم العربيّ. ما هي أهميّة هذا التّكريم برأيك، وهل يعكس تكريمًا لائقًا بمكانة المعلّم، وتدعم مركَزه الاجتماعيّ؟

- اعتبرت مهنة التّعليم في السّابق رسالة سامية، ودعا أمير الشّعراء إلى تبجيل المعلّم؛ لكنّ اليوم يغرق المعلّم بين الأوراق من جهة، ويتوه في عالم الـ"إنترنت".. ماذا يميّز رسالة التّعليم اليوم، وما هو دور المعلّم في عصرنا؟

- ماذا تهمس في أذن المعلّم في مدرستك، في شهر تكريم المعلّم العربي في حيفا؟

عزيز دعيم (مدير مدرسة مار يوحنّا الابتدائيّة):
أعظم استثمار يقوم به أيّ أهل من أجل أولادهم هو تربيتهم وتعليمهم، لهدف تحضيرهم لمستقبل أفضل. وأعظم استثمار يقوم به أيّ مجتمع هو الاستثمار في جودة التّربية والتّعليم، وبشكل خاصّ في مَن يقومون بحمل هذه الرسالة، من أجل تقدّم هذا المجتمع وتطوّره ورقيّه. آمل ألّا يطول الوقت كي ندرك جميعًا أنّ مصيرنا ومستقبلنا، تقدّمنا ورقيّنا، مرتبط بمدى استثمارنا في معلّمينا وتعزيزنا لدورهم ومساندتنا لعملهم. فاحترامي لكلّ مَن يستثمر، يبادر ويساهم في أيّ خطوة من أجل تعزيز هذه الرسالة السّامية.

تتميّز رسالة التّعليم اليوم بالسّهر، الرّعاية، العناية، المتابعة والمشاركة، والتّداخل مع كلّ أطراف المدرسة، لتساهم هذه العناصر في عمليّة الصقل، البلورة وتشكيل الشخصيّة، من اللّحظة الّتي يدخل فيها الطّالب رحاب مسؤوليّتنا، حتّى لحظة تخريجه.

من خلال ممارستنا رسالة التّربية والتّعليم، نعمل على تزويد أبنائنا بمهارات، مؤهّلات، أدوات واستراتيجيّات، ليكونوا على أتمّ الاستعداد لمواجهة الحياة، ليس فقط في مرحلة المراهقة أو مراحل التّعليم المتنوّعة، بل على أوسع أبوابها ومداخلها إلى الجامعة والحياة العريضة.

همستي أقولها بصوت مرتفع، نابع من القلب، لكلّ معلّمة ومعلّم في مدرستي: "يعطيك العافية"؛ صلاتي للرّب - المعلّم الصّالح - أن يبارك كلّ معلّم/ة ينظر إلى كلّ طالب/ة كأنّه ابنه/ابنته، بل يرى فيه وجه اللّه، مهما كان جنسه أو لونه، ومهما كانت ظروفه، فيأخذ مما لديه ويعطي لطلّابه بفرح، ومن كلّ قلبه.

همستي بكلّ محبّة لزملائي، أعطوا من أنفسكم لطلاّبنا، شاركوهم بقصص حياتكم، مواقف وقضايا حياتيّة، استخدموا مواقف مميّزة لوقفات مميّزة، قد يبقى أثرها الإيجابيّ والبنّاء على طلّابنا مدى الحياة، ساعدوهم ليدركوا كيف يتعاملون مع الفشل، وكيف يحوّلونه إلى نجاح، علّموهم أن يحلّقوا إلى أعلى، ويتغلّبوا على قوّة الجاذبيّة.

أعتز وأفتخر بهم، أقدّرهم وأثمّن جدًا خدمتهم لصغارنا.

رائف عمري (مدير مدرسة "المتنبّي" الثّانويّة): لهذا التّكريم رمزيّة بالغة، كمحاولة تقدير متأخّرة من المجتمع، وكتعويض على إهمال مستغرب من جهات عدّة، تَناست أو نسيت أهميّة الدّور الثّقافيّ والتّربويّ والاجتماعيّ للمعلّم في مجتمعه – وفي المجتمع العربيّ، تحديدًا. ومع وذلك لا بدّ أن أتقدّم بالشّكر لجمعيّة التّطوير الاجتماعيّ، على سدّ نقص اجتماعيّ، ومحاولة إصلاح وتصحيح غُبن لاحَقَ المعلّم، من خلال هذه اللفتة الطيّبة بصميم الموضوع. أقول إنّ قيمة الدّور الرائع للمعلّم لا يُختزل بتكريم - رغم حسن المبادرة - وإنّما يكون التقييم الحقيقي من خلال مبادرات ومشاريع دائمة تبرز هذه القيمة وتدعم مكانته في المجتمع، وتهتم بمتابعة الأطر القانونيّة والمؤسّساتيّة كي توثق رسميًا أهميّة هذه المكانة، وتحميها من الإهمال والتّآكل، وتطوّر ظروف المعلّم المعيشيّة وتحسّن وضعه ماديًا ونفسيًا؛ فلا يكفي التّكريم الرّمزي بل نحتاج لرافعة ملموسة حقيقة تُشير إلى هذا الدّور، وتُترجم أهميّته إلى المستوى الرسميّ المعيشيّ: في المدرسة، في الشّارع، وفي المجتمع عامةً.

في المقارنة المحيّرة بين رسالة المعلّم سابقًا، وبين دوره الحالي، أقول إنّ التّغيير الحاصل في المجتمعات، وسرعة التّحول الدائم على مستوى اللحظة، لا بد أن يجلب معه تغييرًا في أدوار الفرد داخل دوائر مجتمعه، ومن ضمنها بطبيعة الحال دور المعلّم. فإذا اختلف مجتمع اليوم عن مجتمع الأمس، واختلفت معه العائلة والقيم وأخلاقيّات التّعامل تغيّرت أولويّات النّاس، أفرادًا ومجتمعات، فلا بدّ للتّغيير أن يمسّ دور المعلّم، والمعلّم العربيّ أيضًا.

وأعتقد ما يجب أن يتغيّر فعلاً هو شكل هذا الدور وليس مضمونه، كما يحدث للأسف. هناك تضاؤل واضح في مكانة المعلّم، واضمحلال المستوى الّذي ينظر إليه المجتمع، فلم يعد - وهذا خطأ مصيري - ينظر إلى دور المعلّم بنفس الأهميّة السّابقة، بل طال هذه النظرة إهمال وقلّة احترام وتقليل اعتبار، ممّا يحوّله اليوم إلى جزء من مجاراة الحدث ومتابعته والسّير معه، على عكس المطلوب. فالمطلوب منه هو التّأثير على الحدث وتصميم سير هذه الأحداث، وضبط التّأثيرات الحاصلة داخل المجتمع، بحيث يختار الإيجابيّ وينفي السّلبيّ.

دور المعلم الحقيقيّ هو دور المصفاة الاجتماعيّة الّتي تمتصّ كلّ مواد التّغيير الاجتماعيّ والسّلوكيّ، فتصقل المقبول منه وتعطيه للأفراد، وتلقي خارجًا كلّ الموادّ الهامشيّة المُضرّة.

لو أُعطي المعلّم هذا الدّور اليوم لما تدهور مجتمعنا كما يحدث معه، ولو حظي هذا الرّسول بشرعيّة العمل والتّربية والتّنفيذ، لما وصلت تأثيرات التّغيير الاجتماعيّ اليوميّ إلى هذا المستوى من السلبيّة وفقدان الهُويّة الأخلاقيّة والإنسانيّة. إنّ تهميش دور المعلّم كما يحدث اليوم، هو تهميش لكلّ القيم والأخلاقيّات والمثل العُليا الّتي هي جزء من رسالة المعلّم المقدسة.

وأقول للمعلّم: أخي وصديقي المعلّم، بل سيّدي المعلّم... ما تحتاج إليه في هذا الزمن المتدهور هو أوّلًا همسة شكر وامتنان، على ما تحاول القيام به من واجب العطاء والتّضحية. وثانيًا أقول لك: تمسّك بما تؤمن به، حتّى لو كفر به الآخرون؛ قُم برسالتك حتّى لو قلّل من قيمتها الباقون. كُن كالأنبياء لا يلقى الجزاء أثناء رسالته بل العذاب والنّكران، ولكنّه يبشّر بالجنّة الموعودة.

أميمة قدّور (مديرة مدرسة "المسار"): تكريم المعلّم يعني لي الكثير من الامتنان والشّكر والتّقدير لعمل المعلّم ولعطائه الدّائم. هذا اليوم يعتبر يومًا تقييميًا لعمل المعلّم وتكريمًا لجهوده المعطاءَة في هذا المجتمع. التّعليم اليوم ليس بالشّيء السّهل، إنّما هناك صعوبات وتجديدات مختلفة ومتنوعة، على نوعيّه التّدريس وأساليب التّدريس والتّحضير والعولمة المختلفة، الّتي أجبرت المعلّم أن يغيّر منهاج تعليمه ونموذج الدّراسة بالشّكل العامّ.

المعلّم اليوم يواكب التّجديدات العصريّة الحديثة من جهة، ومن جهة أخرى عليه أن يهتمّ بالمبادئ والعادات والتّقاليد والنّموذج الّذي تربّى عليه من الماضي. هذه الإشكاليّة بين الماضي والحاضر تُجبر المعلّم أن يسعى إلى التّغيير، وأن يقود نفسه تعليميًا ثقافيًا واجتماعيّـًا. وأن يدمج الحوسبة وعالم الـ"إنترنت" والـ"فيسبوك" وإلخ من التّجديدات العصريّة، وأن يحافظ، أيضًا، على الاحترام والأخلاق العالية في هذا العصر الصّعب. باعتقادي وظيفة المعلّم، في هذا العصر، أصعب بكثير من الماضي، وعليه تقع مسؤوليّة كبيرة ومتنوّعة، وتقبل للتّغيير واندماج وتفهّم وتعقّل وتسامح، لذلك هي رسالة سامية لكلّ ما تعني هذه الكلمة من معنى.

المعلّم يحمل رسالة التّعبير ورسالة التّغيير، وباستطاعته تغيير أفكار ومعتقدات، وتحليل وتنوير، وبيديه تغيير المجتمع بالأجمع.

عبر هذه الكلمات أودّ أن أشكر زملائي المعلّمين والمعلّمات والمساعدات، وكلّ مَن يعمل في مدرستي. وأقول لهم إنّ عملهم هو ليس فقط رسالة سامية، إنّما هو عمل مقدّس، يستحقّ كلّ الاحترام والتّقدير، وكلّ كلمات الدّنيا، وكلّ الأموال لا تفيهم حقّهم وصبرهم وتحمّلهم. داموا لنا.. ودام عطاؤهم.

محمّد عوّاد (مدير مدرسة "عبد الرّحمن الحاج" الابتدائيّة): لا شكّ أنّ هذه اللفتة المتمثّلة بتكريم المعلّم العربي في حيفا خاصّة، والّتي تأتي بمبادرة جمعيّة التّطوير الاجتماعيّ، والّتي فيها، ومن خلالها، نشدّ على أيادي المعلّمين، بأن يواصلوا عطاءَهم المتفاني للطلّاب، وفيها نعبّر عن احترامنا للمعلّم واعتزازنا بدوره، وإنّ تعزيز مكانة المعلّم ينعكس على تعزيز مكانة الطّالب.

دور المعلّم في السابق تمثّل في إيصال المعلومة التعليميّة للطّالب، حيث كان المصدر الأوّل والوحيد لها تقريبًا، لكنّ اليوم تحوّل المعلّم إلى موجِّه للطّالب، خاصّةً وأنّه لم يعد صاحب المعلومة، وبات الـ"إنترنت" ينافسه، بشكل قويّ، حيث أخذ قسطًا من دور المعلّم والمدرسة. ويتلخّص دور المعلّم اليوم بكونه موجّهًا في المجالين: الاجتماعيّ والتّعليميّ. أضف إلى هذا خطط وزارة المعارف والخطط الجديدة الّتي بوشر بتطبيقها في السّنوات الأخيرة، تهدف إلى أن تحصل عمليّة حوار ومحادثة متبادلة مُثمرة بين المعلّم والطّالب. أصبح المعلّم بمثابة الأب والأمّ والدّاعم والموجِّه للطالب، إضافةً إلى كونه مُعلّمًا. كذلك هناك أهميّة كبيرة لمشاركة الأهل في المسيرة التّربويّة والتّعليميّة، من أجل الحفاظ على التّواصل والصّداقة بين البيت والمدرسة.

أهمس وأقول للمعلّم، بأنّ وظيفتك أمانة ولا رقيب عليك فيها إلّا ربّ العالمين. وبرأيي أنّه بحجم ما يعطي المعلّم، من احترام ومحبّة لطالبه، هكذا يرد له الطّالب تلك المعاني والقيم. إن مكانة المعلّم تُحدَّد حسب تقييم طلّابه له.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]