الشريط الأخباري

تدشين ميدان إميل حبيبي في حيفا، وأمسيتان لذكراه

شاهين نصّار
نشر بـ 27/05/2013 12:30

بحضور رئيس بلدية حيفا، يونا ياهف، وأعضاء المجلس البلدي، وكذلك لفيف من أعضاء الحزب الشيوعي ومحبي الكاتب والاديب العربي الفلسطيني إميل حبيبي، في حيفا والبلاد أجمع، الى جانب أفراد عائلته، تم تدشين الميدان الذي يحمل اسمه، مباشرة بعد الأمسية التكريمية الأولى لذكراه، والتي عقدت في مسرح بيت الكرمة، وذلك ضمن شهر الثقافة والكتاب العربي الذي ينظمه مركز بيت الكرمة الثقافي للسنة الـ34 على التوالي، لتكون الحدث المركزي في شهر الثقافة أجمع. أول المتحدثين كان أساف رون – مدير بيت الكرمة الذي قال في كلمته بعد الترحيب بالحضور، إن حبيبي كان "شخصا بالفعل كثير الأعمال وحيفيًا، شخصا أحب حيفا وآمن بالعيش المشترك فيها".

توّلى عرافة الأمسية الناقد الأدبي أنطوان شلحت، الذي قال: "من الصعب أن أوجز ما تبقى من إميل حبيبي في مقام كهذا، لكن لا شك بأن العودة اليه الآن وهنا، من شأنها أن تبيّن بعض الشيء ما بتنا نفتقده منذ رحيله عنا، وأول شيء هو أنه لم يكن مبدعا ابن زمانه فحسب، وإنما كان أيضا سباقا لعصره في مجالات كثيرة ساهم فيها. وقد آل على نفسه ألا يظل منحصرا في أي قفص وأرخى لجناحيه العنان ووقف بالمرصاد للوثات كثيرة، في مقدمها اغتيال العقل وقطع اللسان". مؤكدا أنه عندما نطل الى مشهدنا الثقافي والسياسي الحاضر، ندرك مدى حاجته وضرورته في الآن معا.

وأضاف شلحت: "يُخيّل إليّ أنه لو كان حاضرا بيننا بجسده لكان أسعد حالة وهو يعاين ما يحدث من حولنا مما أسماه أحد المفكرين العرب اليقظة العارمة على الحقيقة. ذلك بأن روحه التي تحوم فوقنا سبقت هذه اليقظة بإدراكها أنها هي مفتاح الكثير من المستحيلات".

غنايم: حبيبي تعامل مع الأدب كحقل بكر يكون هو الرائد فيه
ثم تحدث الأستاذ (بروفيسور) محمود غنايم – مدير مجمع اللغة العربية ومحاضر في كلية الأدب العربي في جامعة تل أبيب، عن مزايا أدب إميل حبيبي، فقال: "في جميع أعماله كان مغرما بالبحث عن الجديد، رفض أن يكون كاتبا مقلدا. بل أكثر من ذلك، فقد تعامل مع الأدب كحقل بكر، يكون فيه الرائد، القضايا السياسية التي عالجها الكثير من الكتاب فلسطينيين وعربا، صاغها بأسلوب رمزي ليخفف من طغيان المباشرة السياسية على الخطاب الأدبي، ذلك الغول الذي اختطف سرايا. هكذا أعلنها حبيبي على الملأ. منذ السداسية، تفتح رمز ليحتل موتي البحث موقعا مركزيا في أعمال حبيبي مصوّرا علاقة شخوصه بالأرض والوطن، علاقة الفروع بالأصول، بين أبناء الشعب الفلسطيني".

وتابع: "تارة يسخر من شخوصه وأخرى من السلطة ويحملها وزر ما ارتكبت بحق هذا الشعب بأجزاءه وأشلائه، كم هي حبيبة تلك الشخصيات على قارئ حبيبي، شخصية السلطعون في قصة السلطعون الذي انقلب من شخص لا يتدخل في السياسة أبدا الى متطرف يقضي آخر أيامه سجينا، وها هي شخصية سعيد ابي النحس المتشائل تلك الشخصية المليئة بالمتناقضات تثير الكثير من السخرية مثلما تثير الكثير من النقد، ولا زالت هذه الشخصية الى يومنا هذا تطرح العديد من التساؤلات، لا على المستوى الأدبي فحسب بل كذلك على المستوى السياسي".

وأنهى: "لا يسير التعامل مع أدب حبيبي بتلك البساطة والسذاجة، فتلك السخرية المرة والمفارقة الحادة وإذا اردتم تلك الأعمال المثقلة بالايحاءات والتناص، لا تجعل أعماله موغلة في العمق فحسب بل غنية بالدلالات وما ينضب من التساؤلات لنقل رسالته السياسية بدهاء الفنان الأصيل ومكره".

كلدرون: الأديب الجيد لا يقول أبدا ما يقوله السياسي حتى لو كان سياسيا

ثم تحدث الأستاذ نيسيم كلدرون عن أدب حبيبي، مستدلا بمقطع من رواية حبيبي "المتشائل" يروي فيه قصة صياد عربي يلتقي بطفل يهودي ويقول له أنه يحادث الأسماك، فيتساءل الطفل اذا كانت الأسماك تفهم العربية فيقول له الصياد "الكبار منها، العجوز، تفهمها". وقال: "الأديب الجيد لا يقول أبدا ما يقوله السياسي حتى لو كان سياسيا. المثل الذي يستخدمه اميل حبيبي يعبر الواقع المر والدامي بين العرب واليهود وبين اللغة بينهما التي يتحدثون بها عن هذا الواقع، ويجد في اللغة بداية صمت كبير. أشخاص حوّلتهم ازمتهم الى أسماك، كائنات لا تتكلم. ولكنه يجد أيضا بهذه اللغة رفضا لتقبل الصمت. الأسماك لا يمكنها الحديث، ولكن البشر بوسعهم الحديث مع الأسماك".

تلاه عضو بلدية حيفا – المهندس هشام عبده – الذي قدّم كلمة باسم بلدية حيفا، شاكرا بلدية حيفا على تخليد ذكرى واسم إميل حبيبي على الدوار المركزي في حي وادي النسناس الحيفي العريق، وقال: "رغم الخلاف بيني وبين رئيس البلدية ياهف في المواقف السياسية والبلدية، لا بد أن نشكر ياهف على تخليد ذكرى شخصيات عربية في المدينة كشارع توفيق طوبي وميدان اميل حبيبي".

وتحدث عن شارع الجبل في المدينة الذي تم تغيير اسمه الى شارع "الصهيونية"، مطالبا بإعادة إسمه السابق أو تغييره لاسم عائلة فلسطينية كان بيتها في الشارع – عائلة صهيون.

زعاترة: في كل واحد منا متشائل صغير
بعدها كانت الكلمة لسكرتير الحزب الشيوعي وجبهة حيفا الديمقراطية – الصحافي رجا زعاترة، الذي رحّب بالحضور، قبل أن يتطرق للنكبة وإميل حبيبي قائلًا: "باق في حيفا، لن يفهم غريب ما المميز في البقاء في حيفا، وحتى أنا نفسي الذي ولدت في عهد آخر، ولو كان في المكان ذاته واخترت الدرب نفسها سياسيا وأخلاقيا، قد لا أفهم بنفسي بالفعل كم هو أمر غير عادي أن تبقى في حيفا لذلك الجيل الذي عايش النكبة عام 1948. بالنسبة لي ولأبناء جيلي، يوجد احتمال واحد فقط وهو البقاء في حيفا والجليل والمثلث والنقب. ونحن ندين بهذا الاحتمال لإميل حبيبي ورفاق دربه توفيق طوبي، مئير فيلنر، إميل توما، توفيق زياد، حنا نقارة وآخرين، الذين تشبثوا بقطعة الأرض الباقية كبزوايا المذبح. ورفضوا قبول الضربة القاضية التي وقعت هنا قبل 65 عامًا".

وأردف قائلا: "للمذبح أربع زوايا، وكذلك لميدان إميل حبيبي. أتخيله يجلس هناك، وينظر الى الشمال نحو البحر الذي أحبه كثيرا، نحو عكا، التي اليها والى مسجد الجزار وصل بطله المتشائل في ليالي النكبة الظلماء باحثا عن أنصاف الأمل. اتخيل أبو سلام يوّجه ظهره الى شارع الأمم – الذي تحول فيما بعد الى شارع الصهيونية – أو كما يحب ويصر على تسميته، شارع الجبل، ويا جبل ما يهزك ريح. ومن الغرب تهب رياح ألنبي، الجنرال البريطاني الذي احتل المدينة، ومن الشرق بالطبع تأتي رياح شرقية – فمن هناك جاءت الجيوش العربية لا لتمنع قيام الدولة اليهودية وانما لمنع اقامة الدولة العربية. ومن الشرق من شارع العراق – اليوم شارع كيبوتس جليوت، الذي سار فيه حبيبي لسنوات طويلة من الناصرة الى حيفا والعكس، من الجريدة الى المنزل، ومن جلسات طويلة ومصيرية، في النهاية بقي في حيفا. وفي مركز الميدان لا زال يجلس ربما مارح وربما متفاجئ، وربما لا يجلس، وكله من اختلاق خيال شرقي واسع، خيال أسند اليه حبيبي قدرتنا على مواصلة الحياة هنا في الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"!

داود: شارع لا يناسبك، بل ميدان أنسب لك
وقرأت الشاعرة سهام داود رسالة من مترجم أعمال حبيبي – أنطون شماس، فقالت: "ما كان يناسبك شارعا واحدا، فلدينا العديد من الشوارع في هذه المدينة التي أحببتها وأحببت أن تبقى فيها للأبد. كما أن بعض الشوارع لا تؤدي الى أي مكان، رغم أنه قد يبدو ذلك في بعض الأحيان. ولا يمكننا الحديث عن الأزقة، لأنها طريق بدون مخرج، وتشابه البقاء في المكان، ولك دوما تفتح الطريق، وكان دوما واضحا لك المخرج، دوما بمتناول اليد".

وتابعت:" لذلك فميدان سيناسبك أكثر، تقتطع فيها الدوائر، تلتقي فيها الشوارع، توازي الميدان وتواصل طريقها. فراغ يقع داخل فراغ، مكان يقع على مكان، ولسان تقع على لسان، كما في أعمالك التي هي الميدان الحقيقي، ملتقى الطرق".

ياهف: إميل حبيبي سيبقى في قلوبنا وفي قلب حيفا الى الأبد في هذا الميدان
بعدها انتقل الحضور الى ميدان إميل حبيبي، حيث أزيح الستار عن الميدان وأطلق اسم إميل حبيبي رسميًا على الميدان، ليخلد ذكراه ونتاجه الى الأبد.
وتخللت حفل التدشين كلمة لرئيس البلدية المحامي يونا ياهف الذي قال في كلمته: "حيفا تكرّم اليوم واحدا من كبار أبنائها، إميل حبيبي رحمه الله، مثقف وكاتب وأديب وسياسي، وأول شخص توجهت له عام 1993 عندما قررت المنافسة على رئاسة بلدية حيفا للمرة الأولى. نحن اليوم نسد دين تكريم في الميدان الصحيح، في الميدان ومفترق طرق يعبر عما عبرّ عنه في كتاباته، كما كان لي الشرف بأن أترأس مسرح حيفا عندما قدمنا مسرحية المتشائل باللغة العبرية – وأنا أرى هنا الممثل الكبير محمد بكري – وأنت أحضرت ذلك الى المنصة بشكل رائع. إميل حبيبي سيبقى في قلوبنا وفي قلب حيفا الى الأبد في من خلال الميدان، وفي التماثيل التي عليه، فما كتبه حبيبي "باقٍ في حيفا، هو لم يبق جسديا في حيفا فحسب بل في قلوبنا جميعا ونحن هنا لنقول ذلك في العلاء".

جهينة حبيبي: تخليد اسم إميل حبيبي يمثل الاعتراف بالفلسطينيين في البلاد

وتلتها كلمة لجهينة حبيبي قندلفت – ابنة الراحل إميل حبيبي، التي قالت: "تخليد ذكرى إميل حبيبي بكل ما يمثله من الاعتراف بمكانة المواطنين العرب الفلسطينيين في الدولة، هو حدث تاريخي". وقرأت مقطع من قصة سرايا بنت الغول.

أمسية حزبية لذكرى إميل حبيبي
بعد تدشين الميدان انتقل الحضور الى الباحة القريبة من الميدان للمشاركة في أمسية أخرى لتخليد ذكرى إميل حبيبي نظمها الحزب الشيوعي وجبهة حيفا الديمقراطية، والتي افتتحت بقرع طبول فرقة الطبول التابعة للشبيبة الشيوعية حيفا، وتلتها مقاطع من مسرحية المتشائل قدمها الفنان محمد بكري، قبل أن يتحدث كل من الكاتب محمود شقير – حزب الشعب الفلسطيني، والأمين العام للحزب الشيوعي – الكاتب محمد نفاع. يذكر أنه من بين الحضور كان أيضا كل من عضوا الكنيست محمد بركة والدكتور عفو إغبارية.

أضف تعليق

التعليقات