الشريط الأخباري

«بردقانة» إيـاد برغوثي والذاكرة الملوّنة

غادة أسعد، موقع بكرا
نشر بـ 01/05/2014 22:00 , التعديل الأخير 01/05/2014 22:00

«بُردقانة»؟!! للوهلة الأولى سألتُ نفسي مستغربة، هل يقصِدُ «البرتقالة»؟ وإن كانت كذلك لماذا ولماذا يسيرُ بِها الكابتن فايز، بطل الرواية، ترافقه في كل مكان؟!! ومع توالي الأحداث، فهمتُ امتهان فايز تدريب كرة القدم، وبأنّ «بُردقانة» هي كرته المولع بها وبثريا أيضًا، إحداهن تُرافقهُ مُجبرة، والأخرى تُعانِدهُ ويظلُ يبحثُ عنها في كل الأماكن... للحظةٍ تمنيتُ لو أكون ثُريّا؛ أن تكونَ ساكنًا في خيالِ الحبيب وأنتَ لا تدري بالتفاصيل، شيءٌ رائع، بينما يُغلِّف الصمتُ أحيانًا، أمورًا نكتشف لاحقًا أننا نجهلها، وهكذا كان «فايز غندور» بطل رواية «بُردقانة» للكاتب الصديق إياد برغوثي، فرغمَ ثقته الكبيرة بنفسه، ورغم عطائه الكبير، وشهامته، إلا أنّ حياته لم تكُن سهلة، لا على صعيد العائلة، ولا على صعيد العاطفة، ولا حتى مهنيًا أو سياسيًا.

لقد انجرفت في أحداث الرواية، المكتوبة بأسلوب سرديّ شيّق وبخفة عميقة تصعّب عليك وضع الكتاب جانبًا. لقد استطاعَ الكاتب بذكاءٍ أن يأخذك إلى عكا قبل النكبة، إلى ناسِها، مقاهيها، شوارعها، ورأيتُ نفسي أتساءَل عن شارع "الرشادية"، هو اليومَ يحمل اسم "بن عامي"، هُنا في هذا الشارع تحديدًا كان يجلس فايز غندور، محاولاً الفصل بين صديقيه، مؤيد وفخري، المتصارعين على حجارة النرد، وكأنّ لا هما آخر لهما.
"بُردقانة"، اختيارُ إياد برغوثي، للاسم ليس مصادفةً، بل هو نِتاجُ أفكارٍ عميقة، تسكنُ ذاكرة الكاتب. لقد جاءتَ هذه الروايّة بتفاصيلها، وملامحها، ، بعد أشهرٍ مِن البحث والكتابةِ ضمن مشروع "مُحترَف"، وهي الدورة الثانية التي تُقام في إطار "محترف نجوى بركات"، (2013-2014)،والتي جرت بالتعاون مع وزارة الثقافة في مملكة البحرين.

إلتقيتُه في مكان عمله بجمعية الثقافة العربية، سألته عن بعض التفاصيل الصغيرة في روايته، تلك التي لم يقلها، أو التي قالها، وسألني عن بعض ملاحظاتي، ثم اخترقتُ عالمه الخاص لبعضِ الوقت، كي تكتمل الرواية الأولى "بردقانة"، كما أراها أنا أيضًا.

حقبة مثيرة

"اخترتُ الكتابة عن حقبة الانتداب البريطانيّ، كحقبة حاسمة في تشكيل الهويّة العربيّة والفلسطينيّة والحداثة في فلسطين والعالم العربيّ، حقبة مليئة بالأحداث والتغيّرات الجارفة، على كلّ المستويات, أثارتني تلك الفترة ورغبت في أن أكتب عنها من زوايا مغايرة تظهر جوانب الحياة في تلك الفترة المثيرة، وخصوصًا في المدن. عملت على بحث تاريخيّ، من خلال الإطلاع على المراجع التاريخيّة والسير الذاتيّة وكتب المذكرات ولقاءات ممتعة وصادمة مع كبار في السنّ عايشوا تلك الفترة، سمعت قصصهم. غرقت في المعلومات والقصص والتفاصيل. لكن كان عليّ أن أضع كل ما جمعته جانبًا كي أبدأ في الكتابة الروائيّة التي تعتمد على التخيّل كي أصنع حكاية منها كلها"، قال الكاتب عن زمن روايته.

الرواية تحلّق فوق الحدود

حين بدأت بأسئلتي له حول تجربته، استفزه وصفي له بالكاتب "المحلي"، ولم يدعني أكمل السؤال: "لست كاتبًا محليًا، هذه المحلية التي يحاولون حصرنا فيها، هذا اختراع إسرائيليّ لتصنيفنا كحالة عدمية مشوّهة منزوعة عن امتدادها، فما المقصود بالأدب المحلي؟! أنا كاتب فلسطينيّ أكتب أدبًا عربيًا. روايتي هي رواية عربية. كلّ رواية تكتب بالعربية هي رواية عربية بغض النظر عن الهوية الوطنية لكاتبها. الأدب لا يعرف المحلية ولا ضيق الأفق، هو أصلاً بإنسانيته يحلّق فوق كلّ الحدود ويغطس نحو الأعماق. علينا أن ننطلق من هذه الفكرة".

يتوقف برغوثي ويوافقني أنّ الظروف السياسية في الداخل الفلسطيني صعبة، وهي التي فرضت العُزلة والحصار، لكنّه شدّد على ضرورة التحدي بقوله: "يجب كسر الحصار، وهدّ الأسوار النفسيّة والإسمنتية، وتحطيم الحدود المفروضّة قسرًا". مضيفًا: "لا حاجة لنا أن نبرّر ونشرح أنفسنا، خاصةً أنّنا أصبحنا كمجتمع أكثر نضجًا سياسيًا وهناك وعي أكثر حول وضعنا المركّب، ويمكننا أن نموضع أنفسنا في مكاننا الطبيعيّ وبثقة تامة. مهمتنا الآن كسر الحدود التي أصبحت هي الطبيعيّة، بدل أن يكون التواصل هو الطبيعيّ، كما كان قبل النكبة، في الفترة التي كتبت عنها الرواية".

الألوان والذاكرة الفلسطينية

توقّع إياد سؤال عن علاقته وارتباطه باللون البرتقاليّ، وكثرة استخدامه له في قصصه، وفقد كتب قبل "بردقانة" قصة بعنوان "الشريط البرتقالي"، كما ظهرت على غلاف مجموعته القصصيّة "بين البيوت" صورة برتقالة. فأجاب دون تفكير كثير: "اللون البرتقالي هو فلسطيني بامتياز. على فكرة أجرت صحيفة "فلسطين"، قبل النكبة، استطلاع آراء لاختيار ألوان علم فلسطين، فاقترح البرتقالي لونًا يليقُ بفلسطين التي صدّرت البرتقال للعالم. الأهمّ أنّه في بداية كتابة الرواية، دفعتني المعلومة بأنّ لون كرة القدم التي لعب فيها الشباب فترتها كان برتقاليًا، إلى أن ألوّن الذاكرة. كانت لحظة سحرية بالنسبة لي. لم أعد أرى الأحداث التاريخية كما في الصور بالأبيض والأسود، بل رأيتُ الواقع الفلسطيني مختلفًا، ملوّنًا بتفاصيل كثيرة، منوّعة، جميلة وقاسية وعادية. تخليتُ الكابتن فايز والكرةُ تحت ذراعه، فزيّن البرتقالي ذاكرتي وشحنَ خيالي بألوانِ حياة حقيقية وطبيعية. وصلت عبر الصورةِ المُتخيلّة إلى تاريخنا المركّب والمليء، فاستشعرت صخب الأحداث المرتبط بهذا المكان الثابت والمتحوّل وذلك الزمان المستمر والمختلف".

في روايته قصد الكاتب معاندة رومانسيته كفلسطيني، حيثُ قلّب الماضي ، باحثًا في البنية الاجتماعية والحياة الثقافية والتربوية في تلك الحقبة، وفتح الباب لنطلّ معه عليه، ثمّ ترك روايته مفتوحة، للقرّاء، غير مقتنعٍ بالنهاية السعيدة، فالتاريخ الحقيقي، لا يزال عالقًا، والرواية الحقيقية لأسباب خسارة الثورة، وما خلفها مِن نكبة، لا تزال تحتاج إلى بحثٍ وتمحيص، فشاءَت النهاية أن تترك فايز غندور أيضًا بين فوزٍ محتمل وخسارة ممكنة، وهي مِن أصعب النهايات، فلا هو رَبِحَ اللعبة ولا هو خاسرٌ،مُعلقٌ بين السماءِ والأرضِ.

ومثلما هي النهاية، كانت رسالة مُدبّرة بتخطيط كاتبها، فإنّ رسالة أخرى أراد الكاتب أن يوصِلها للقراء، وتحديدًا للشباب، الذين لم تكتمِل بعدُ تفاصيل الثورة وما جرى في النكبة الفلسطنيية، يقول الكاتب: "حاولتُ أن أغذّي الذاكرة الفلسطينية بحياة طبيعية وحقيقية كانت فعلاً موجودة في مدننا، وسعيتُ لتصميم وعي فلسطيني حداثي منفتح على ذاته بتنوعها ورواياتها المختلفة. اخترت رواية مختلفة وكتبتها، هذا كلّ ما في الأمر".

قبل أن أنهي حديثنا القصير،وبعد أن فهمت أنّه خلال السنة الماضية كان يستيقظ من الفجر ليكتب قبل العمل ويعود بعد الدوام يسهرعلى إتمام الفصول لينهي الرواية خلال أشهر قليلة وفي خضم فترة عمل زاخر، سألته إن كان سيكتب رواية أخرى فردّ مبتسمًا: "ما دمت حيًا، سأكتب. في موازاة الحياة، سأكتب".

بردقانة

صدرت رواية «بردقانة» للكاتب الفلسطينيّ إياد برغوثي، عن دار الآداب البيروتيّة، التي أُنجزت في إطار «محترف نجوى بركات» لكتابة الرواية. تجري أحداث الرواية في مدينة عكا عام 1945، وتحكي قصة الكابتن فايز غندور، مدرّب فريق كرة القدم المحلّي، الذي يحيا أجمل أيّام حياته بعد أن تمّ تعيينه مدرّبًا للمنتخب العربيّ الفلسطينيّ الجديد، وهو على وشك الزواج من خطيبته ثريّا، المعلّمة في مدرسة البنات. إلاّ أنّ مطالبة جريدة معروفة بمنع تعيينه ونشر صورة لوالده المقتول في خضمّ الثورة وقد عُلّقت على جثّته لافتة مكتوب عليها «عميل»، سيقلبان حياته رأسًا على عقب.

وحول رواية «بردقانة» جاء في بيان لجنة تحكيم المحترف المؤلّفة من الروائيّ والصحفيّ اللبنانيّ عباس بيضون، والشاعر البحرانيّ قاسم حداد، ومديرة «دار الآداب» اللبنانيّة رنا إدريس: «اِستطاع إياد البرغوثي في «بردقانة» أن يستعيد بموهبة لافتة تاريخ فلسطين أثناء الاحتلال البريطانيّ، على خلفيّة لعبة الكرة. ولغة الراوي وتصويره للشخصيّات الأساسيّة في الرواية تدلّ على مقدرة أكيدة في التجريب والبحث والخيال، إلى جانب الطرافة في الابتكار الرمزيّ لموضوع الرياضة، وفي وصف الانتهازيّين الذين يزجّون في العمل الثوريّ».

اقتباسات من الرواية

لا يجيد فايز لعبة الحبّ بعد، رغم الثلاثين عامًا، ويخاف أن يخسرها. لا يجيد مراوغة القلوب ولا الدفاع عن مرمى الروح من إصابات الجفاء. لا يجيد تبادل تمريرات الكلام ليحقّق الوصل المرتجى. انشغلَ باللعبة عن جمهور جسده المطالِب بإحراز نصر عاطفيّ طال انتظاره. طال جدًّا.
من

 ابتهج فايز غندور لرؤية عكّا من نافذة القطار. كأنّها المرّة الأولى التي يشاهد فيها، من بعيد، قببها ومآذنها وأبراج كنائسها ونوافذها تطلّ من فوق السور. وتأثّر، كأنّها المرّة الأخيرة التي سيراها فيها. الشمس تسحب معها خلف البحر ما تبقّى من ضوء، فتلوّن المدينة بالأسود قبل أن تهرب بشقاوة. 
من

 حاول فايز أن يقرأ نصّ المقال، لكنّه تعرقل بالفواصل والنقاط وعلق عند كلمات كبيرة تكفي كلّ واحدة منها لتكون صكّ حكم بالإعدام
من

بطاقة هوية: إياد برغوثي

ولد في مدينة الناصرة، درس علم الاجتماع والعلوم السياسيّة في جامعة تل-أبيب، أصدر في العام 2006 المجموعة القصصيّة "نضوج"، وكتب عدّة أعمالٍ مسرحيّة: مونودراما "المستيقظ" (2007)، مسرحيّة "ذاكرة أخرى" (2007)، مونودراما "قال هرتسل" (2009)، مسرحيّة "ظاهر العمر" (2010)، كما كتب سيناريو الفيلم القصير "يا أنا يا حيفا" (2007). حازت مجموعته القصصيّة "بين البيوت" في العام 2008 على الجائزة التشجيعيّة للكاتب الشاب من مؤسّسة عبد المحسن القطان (رام الله) وصدرت عن دار ملامح القاهريّة-البيروتيّة في العام 2011، وفي العام 2009 حازت قصته "السماعة" على جائزة في مسابقة "بحر من الكلمات" للقصة القصيرة (مؤسّسة "آنا ليند" ومؤسّسة الثقافة الأورو متوسطيّة)، كما حرّر مجلة "قضايا جمعيّة" (2007-2010) وكتاب "الثقافة، الهويّة والرؤيّة" الصادر عن مؤسّسة الأسوار-عكا (2006)، وعمل محرّرًا لصحيفة "فصل المقال" الأسبوعيّة ومديرًا للمشاريع (2010-2013) في جمعيّة الثّقافة العربيّة في الناصرة.

تصوير: شربل قموع

أضف تعليق

التعليقات