في إحدى جلساتي اللّيليّة الأخيرة الّتي جمعتني في حيفا، وعددًا من الأصدقاء والصّديقات، في أحد مقاهي البلدة التّحتا، الضّاج بموسيقى صاخبة والعاجّ بشابّات وشباب كُثر، مُخمّراتٍ ومخمّرين، مترنّحاتٍ ومترنّحين، بعضهنّ مخدَّراتٍ وبعضهم مخدّرين(!)؛ قال لي أحد الأصدقاء مُهَأْهِئًا، مُجترعًا ثُمالة كأس الخمرة الّتي في يده: "عَنجَدْ إنّو صاحِبْنا ربيع هاد مُتخَلِّف يا زلمي.. ولَك شو مالو؟! خلّيه يِشرب..!"؛ هازِئًا من صديقنا المُتعلّم المثقّف، مُستهجِنًا عدم شربه نبيذ الشّعير والقمح (البيرة) - ألطف وأخفّ أنواع الخمور، حسب تعريفه – وسط هذا المقهى الّذي يحجبه ضباب دخان السّجائر بأنواعها المختلفة، وتنتشر فيه روائح الكحول والمُسكِرات.. وأضاف مُتوجّهًا إلى صديقنا، مُستهجِنًا تصرّفه: "ولَك عيب عليك، ولك شوف الصّبايا صارت سَكْراني يا ولَد، وإنتَ عم تتمَزمَزم عَ كاسِة عصير برتقال بَس؛ بشرفي إنّك واحد مسطول حتّى من دون كحول، وبعَرض أختي إنّك مُعاق(!)؛ ولَك تلَحلَح، صار لازم نجوزَك"..

ارتسمت الابتسامات على وجوه الفتيات وعلَت الضّحكات.. مرّت دقائق عديدة، خيّم فيها السّكوت والتّوتر على المجموعة؛ لم أسمع خلالها سوى صوت الموسيقى الصّاخبة ورنين كؤوس الخمر وتنهيدات صديقنا ربيع.. وبعد مُضيّ دقائق توتّرٍ إضافيّة، استأذن ربيع بكلّ أدب، وغادر المقهى بحُجّة أنّ الوقتَ متأخّرٌ!

يعلم المقرّبون لي أنّي مُستَفزٌّ جدًا ومُتهوّر أحيانًا – هذه إحدى مثالبي، وأنا أعترف بذلك - ولكن في الوقت ذاته لا تحتمل أذنايَ سماع أمورٍ مُتخلخلة مغلوطة وأحكامٍ جائرة على الآخرين، وتفوّهاتٍ تافهةٍ رديئة لا معنى ولا صحّة لها؛ كما لا تتكحّل عينايَ برؤية أمورٍ بشِعة وتصرّفات معوَجّة.

أهمَلتُ قبضتي على كأس الخمر الّذي في يدي، وضعته جانبًا، التفتُّ إلى صديقي "العبقريّ"، انتفضّتُ، وسألته مُستفسرًا هازِئًا: "واو.. شو هالعبقريّة! شكلُه الويسكي لحَس مُخّك! أو يمكن السيجارة "الملغومة" طيّرت عقلَك؟! كيف اكتشفت إنّه صاحبنا ربيع اللّي مثقّف قدّك ع مليون مرّة، إنّو مُتخلّف ومُعاق؟!".

أجابني زاجِرًا، مُستاءً من أسلوبيَ التّهكّمي أمام الصّديقات: "بِعِدّلّلي حالُه مُثقّف ومُنفتح، ومِش مسترجي لا يشرب كاس ولا يوخد نَفَس.. مُعاق يا زلمي، والله مُعاق"(!).

"إذا كان هاد مُعاق عشان الكاس والنَّفَس، فإنتَ أكيد ربّ المَعتوهين" – قلت له ثائرًا.

ضحكَ ضحكةً صفراويّة، وقال: "المُعاق والمَعتوه واحد حبيب قلبي".. وأضاف: "هاد صاحبَك مثقّف "لايت"، لا بِدَخّن ولا بِشرَب، ناقص يطلع إنّو كمان بِعرِفش يمارس"(!).

قهقهت الصّديقات "المثقّفات".. وقبل أن تتفوّه إحداهنّ ببِنت شفَة، قرّرت أن أختمَ الجِدال الفلسفيّ التّحرّريّ، بكلّ غَلْظةٍ، قائلًا جملتي "الموقوتة": "وِلكو إذا صار تَحرُّرنا وانفتاحنا يِنْقاس بالسُّكُر والسُّطُل وحفلات الجنس، وثقافة مقاهينا تحوّلت لثقافة أراجيل ودُخّان وحشيش.. طُز فينا وطُز بهيك ثقافة".

وقبل أن أغادر المقهى، قلتُ لصديقي "المثقّف": "على فِكرَة، نسيت أقولّك إنّو في فرق كثير كبير بين المُعاق والمَعتوه.. وبَس تصحا من سطلتك، فطّني أفسِّرْلَك..".

غادرت المكان حَرِدًا، مُستاءً ومُتسائلًا: هل أًصبحت البارات والنّوادي اللّيليّة هي عقر ثقافتنا؟! ولِمَ نستخدمُ مراسِمَ المقاهي الأدبيّة والثّقافيّة الرّائجة بشكل مغلوط؟! فالمقاهي الأدبيّة والثّقافيّة تلعب دورًا هامًّا في حياة الكتّاب والشّعراء والمثقّفين الإبداعيّة، وتشكّل شاهدًا على مختلف العلاقات والأحداث والإبداعات بين مرتاديها من أصحاب الفكر والقلم؛ بينما في قسم كبير من مقاهينا المحليّة المُشبّهة بالثّقافية، تلعب الحريّات المُفرطة المُنفلتة على أنواعها، الدّور الأساس فيها.

أنا من أكثر المناصرين عن الحريّات الشّخصيّة المُطلقة، والميول الجنسيّة والفكريّة والثّقافيّة المختلفة، وفي الوقت ذاته من أكثر المناهضين لتقييم وتدريج ثقافة الآخر وفق منظار "ثقافيّ" شخصيّ ضيّق وخاطئ.

فمصطلح "المثقّف" أيّها "المثقّفون" من أكثر المصطلحات هُلاميّةً وانفساحًا، فلا شهادة تُمنح لأيٍّ كان لتوسمه بالمثقّف. يبرز المثقّف في المجتمع من جرّاء أقواله وأفعاله وتأثيره على محيطه بشكل إيجابيّ، واعتراف غالبيّة النّاس به.

وجاء في معاجم اللّغة العربيّة وقواميسها، أنّ المثقّف والثّقافة مشتقّان من (ث.ق.ف)، والّتي تدلّ على عدّة معانٍ، منها: الحذق، وسرعة الفهم، والفِطنة، والذّكاء، وسرعة التّعلُّم، وتسوية المعوجِّ من الأشياء، والظّفَر بالشّيء. وعرّف مجمع اللّغة العربيّة (الثّقافيّ) بأنّه: "كلّ ما فيه استنارةٌ للذّهن، وتهذيبٌ للذّوقِ، وتنميةٌ لِمَلَكة النّقد والحُكْم لدى الفرد والمجتمع".

والمثقّف في المفهوم الاصطلاحيّ: ناقدٌ اجتماعيٌّ، "همُّه أن يحدِّد، ويحلِّل، ويعمل من خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعيّ أفضل، نظامٍ أكثر إنسانيّة، وأكثر عقلانيّة"، كما أنّه الممثِّل لقوَّةٍ محرِّكةٍ اجتماعيًّا، "يمتلك من خلالها القدرةَ على تطوير المجتمع، من خلال تطوير أفكار هذا المجتمع ومفاهيمه الضّروريّة".

وبخصوص التخلّف، فإنّ أنواع التّخلّف في مجتمعنا العربيّ عديدة، أيّها الحضاريّون، فعَن أيّ تخلّف تتحدّثون تحديدًا؟! كيف تعتقدونَ أنّ الثّقافة والتّحضّر والتّطوّر والتّحرّر والانفتاح يأتوننا عبر المُجون والجنون والفجور والأسرّة، فقط؟!

علينا احترام حقوق وكرامة وحرّيّة وفرديّة الإنسان، وتقبّل الآخر أيّـًا كان، حتّى لو اختلف معنا، فكريّـًا وعقائديّـًا، وجنسيّـًا.. وعدم إصدار أحكامنا الجائرة على الآخر حاملين أفكارًا رجعيّة، متخلّفين بأنفسنا وبدائيّين، مدّعين التّحضّر والثّقافة.. مُشبعين بسلبيّات وآفاتٍ عدّة. دعونا نترك لأيٍّ كان حرّيّة ممارسة حياته كما يشاء، وفق معتقداته واختياراته الخاصّة، بلا فرض، ومن دون انفلات مُفرط يمسّ حريّة الآخر.

وفي العودة إلى صديقي المترنّح، على أمل أن يكون قد صحا من سكرته.. جاء في معجم المعاني الجامع أنّ العاهةُ: "ما يصيب الزّرع والماشية والإنسان والحيوان من آفةٍ أو مرض"، بينما الإعاقة: "ضرر يصيب الحيوان والإنسان فينتج عنه اعتلال بأحد الأعضاء قد يؤدّي إلى عجز كليّ أو جزئيّ" – وشتّان ما بينهما.

تفضح، أحيانًا، فلسفة البعض منّا العديد من العاهات الّتي يعانيها مجتمعنا، وتُظهر الاختلال السّائد في عقول بعض المثقّفين في المجتمع أو أشباه المثقّفين فيه. على أمل أن تلعب المقاهي الثّقافيّة في مجتمعنا دورًا ثقافيًّا وإبداعيًّا فَطِنًا وفاعلًا، بعيدًا عن دخان النّرجيلات والسيجارات وحفلات المُجون والفجور.

(*) الكاتب صِحافيّ حيفاويّ.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]