لو التقيا في حياتهما، كانا سيجدان لغة مشتركة بينهما. لو التقيا بلا تحريض وبعيدا عن هذه الظروف، وعن التخويف والكراهيّة، ربما كانا سيكونان صديقين حميمين. ليس صعبا أن نتخيّل أنهما كانا سيخرجان معا إلى نفس النوادي، يغازلان نفس الفتيات، سيُعْجَبان بنفس التفاهات، كانا من نفس الجيل تقريبا، نفس الطبقة الاجتماعيّة، فقط ليست نفس غُرّة الشعر: احدهما حريص على أن يحلق شعر رأسه، والآخر حريص على تمشيطة متقنة. إثناهما نشئا في بيتين تقليديين: الأول يقبل المزوزا، وجدّ الثاني يلبس جِبّة دينيّة مذهّبة. من المؤكد أنهما حلما أحلاما متشابهة. لكنهما التقيا مرة واحدة ووحيدة، في ظروف قاتلة، أحدهما قتل الآخر.

كانا من نفس القرية تقريبا: نشئا في مدينتين فلسطينيتين مُحْتلّتين، تبعد الواحدة عن الأخرى حوالي ساعة سفر. أليئور أزاريا في الرملة، كانت مرة مدينة فلسطينية ولم تعد كذلك، ونشأ عبد الفتاح أشرف في الخليل التي لا زالت مدينة فلسطينيّة، لكنها تحت احتلال إسرائيلي عنيف. اليهود الإسرائيليين يسيطرون على المدينتين، إثناهما نشئا ببيتين ميسورين. لكن مصيريهما مختلفان في جوهريهما: فُرِض عليهما من طفولتهما. تربيا على أن يكونا عدوْيَن.

رغم التشابه بينهما، الاختلاف معقّد. أحدهما ولد حرا ومعه حقوقه، حتى لو كان مغبونا ومُبْعدا. والثاني محروم من الحقوق، مذلول وبلا أمل. نشأ أزاريا في قلب التحريض، بيت مُتَعصِّب قوميا، بيئة متطرّفة، عنيفة وعنصريّة. عبد الفتاح لم يكن بحاجة للتحريض: يكفيه ان يخرج من بيته في حيّ جبل أبو رمان: ينتظره حاجز تل الرميده وفيه الإذلال، والعربدة، وسوء المعاملة، والعجرفة والعنف من الجنود ومن المستوطنين.
يمكن تصديق ما قاله لي الأب يُسري في بيته بعد أيام من مقتل ابنه، إن ابنه نشأ في بيت لا يتعاطى السياسة. تكلّم أبوه بخوف. ابنه الثاني، خالد، اعتُقِل بنفس الليلة، بعد أن فقد ابنه بأيّام. قبل شهرين من مقتله فتح عبد منجرة. يقول الأب إنه انفعل. لم يتوقّع بحياته ما هو أكثر من ذلك. لم يصل بحياته القصيرة لشاطئ البحر، الواقع على بعد ساعة سفر من بيته، ربما لم يشاهد مرة واحدة فيلما في السينما، بالنسبة للسفر للخارج لا مجال للحديث. لماذا أخذ سكينا صباح أل- 24 من آذار، وخرج مع صديقه رمزي، وحاول طعن جندي في الحاجز؟ من الصعب معرفة ذلك بالضبط. لكن من السهل فهم ذلك.

منذ ذلك التاريخ ضاع التشابه بينهما وشوّه كليّا، ليس فقط بسبب موت أحدهما، أشرف فقد اسمه، وصفته الإنسانية، وشكله وتحوّل ل "مُخرّب"، اسمٌ مُعيب لكل مَنْ يجرؤ على مقاومة الاحتلال، حتى عندما يُخْدش جندي في الأراضي المحتلّة أو عندما يحدث انتحار مع عشرات المُصابين. الانطباع الوحيد الباقي منه هو جثة مرميّة على الشارع، كجيفة حيوان، دم ينزف من الرأس ويجري في المنحدر، مستوطنون وجنود يتجوّلون حولها بعدم اكتراث فظيع. المضمد ازاريا وموظف نجمة داود الحمراء عوفر اوحانا لم يفكّرا بتقديم إسعاف أولي له، كما يجب، لم يهتم احد بحياته أبدا كما لم يهتم أحد بموته أيضا. لو كان قِطّ شارعٍ لأثار موته في إسرائيل رحمة وانفعالا. لكن لسوء حظه، أشرف لم يكن قِطَا، كان "مًخرّبا".
تحوّل قاتِلُه في المقابل إلى بطل وطني. وباستغراب شديد تحول إلى ضحية أيضا، ضحيّة وحيدة. كلهم يعرفون أوشرا وشارلي، كلهم يشفقون على أوشرا وشارلي، لا احد يعرف رجاء ويُسري، لا احد يشفق على رجاء ويسري، هما ليسا بشرا، ومثلهما ابنهما الميّت. للتذكير: هما والدان ثاكلان فقدا ابنهما البكر الذي حاول طعن جندي، كمقاومة للاحتلال. اوشرا وشارلي والدا مَنْ أدين بالقتل غير المتعمّد بدافع شهوة الانتقام والكذب والوقاحة في المحكمة.
 

هآرتس 2017/1/8 ترجمة: أمين خير الدين

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]