الشريط الأخباري

العامل العربيّ بين ثقافتين واقتصادين

بقلم: سامي أسعد
نشر بـ 21/04/2017 15:17
العامل العربيّ بين ثقافتين واقتصادين


بقلم: سامي أسعد
مدير الاستشارة في جمعيّة "كاف مشفيه"
عضو المنتدى لزيادة التّوعية في مجال حقوق العمّال ومكافحة التّمييز في أماكن العمل


مع اقتراب عيد العمّال العالميّ في الأوّل من أياّر بدلالاته النّضالية لتحقيق العدل الاجتماعيّ وتأمين حقوق العُمّال عامة، لا سيّما الكادحين منهم، في هذا اليوم الذي تحتفل به شعوب العالم – الشّرقيّة منها والغربيّة، يستوقفني مشهد العامل العربيّ في بلادنا الذي لا يزال يراوح مكانه مُطوّقا داخل اقتصادين: الأول: اقتصاده الشخصيّ الهش ذي الدّخل المتدني والقدرة الشّرائيّة المحدودة، والثّاني: اقتصاد دولته القويّ ذي النموّ المتزايد وما يرافقه من غلاء في المعيشة.
إن واقع "الاقتصادين" يُثقل كاهل العامل العربيّ ويزيده شعورا بالضّعة والإحباط ، فمن جهة، هنالك رغبة بتلذّذ ثمار النّمو واللحاق بركب اقتصاد الدّولة الذي يصل نموّه السّنوي إلى 4% وهو نمو مرتفع وفق كلّ المعايير، ومن جهة أخرى يرافق هذا النّموّ غلاء للمعيشة ممّا يؤدّي إلى ارتفاع نسبة الفقر في المجتمع العربيّ والتي تطال 54% من العائلات العربية القابعة تحت خط الفقر. هذا الواقع المُزدوج يرخي بظلاله على وضعية العامل العربي الذي يكدح وراء تأمين لقمة العيش، ويرسّخ دوره وموقعه في حلقة المِهن المتوارثة متدنيّة الدّخل في مجالات البناء والصناعات التقليديّة، ناهيك على أن نسبة النساء العاملات في المجتمع العربي لا تتعدى ال 30% مما يجعل قضية إعالة العائلة أمرا في غاية الصعوبة.
بالرغم من التحديّات المعيشية الجمّة آنفة الذكر، إلاّ أن العامل العربي في اسرائيل يُدير نضالاً عُمّاليّا واجتماعيا واقتصاديا حثيثا وهادئا مُضيفا ليوم العمّال معانِ جديدة من خلال حراكه في مواجهة تحدياّت سوق العمل المحليّ، وذلك من خلال محاولته الخروج من حلقة الاقتصاد "الأوّل" ، في محاولة لاختراق الاقتصاد "الثاني"، فترى العائلات العربيّة تستثمر وتُجنّد كل ما لديها من مُقدّرات وامكانيّات مُحفّزة وداعمة لأبنائها وبناتها في مسيرة الالتحاق بالتعليم الأكاديمي كرافعة للعمل في وظائف مرموقة ذات مردود شهري جيّد وكافٍ لإنشاء التغيير الاجتماعي والاقتصادي المتوخّى. المعطيات الأخيرة تُشير إلى ارتفاع متواصل في نسبة الأكاديميين العرب لتصل اليوم إلى 14%، وبأن نسبة الطالبات الجامعيّات تفوق نسبة الطُلاّب لتصل إلى 65%، هذه المُعطيات تُشير وبشكل واضح إلى تغييرات حاصلة في الذّهنية والقناعة العربية التي تصبو إلى رسم واقع أفضل رغم كُل التحديّات والمُعيقات القائمة.
وإذا ما أمعنا النظر، سنلحظ أنّ التحدّي الأكبر الذي يتشكّل في السنوات الأخيرة والذي يحول دون تحقيق هدف الانخراط في "الاقتصاد الثاني" هو ليس الالتحاق بركب التعليم الأكاديمي وحسب بل بإشغال وظائف ملائمة ما بعد إنهاء التعليم الأكاديمي. مُعيقات عديدة تقف أمام الأكاديمي العربي في سعيه لنيل وظيفة تلائم مجال تعليمه، منها انعدام الثقة بالمُشغّلين اليهود ونيتهم باستيعاب أبناء المجتمع العربي في مؤسساتهم ( وهو شعور واقعيّ في ظلّ العلاقات اليهوديّة-العربيّة في اسرائيل)، إضافة إلى محدودية القدرة على التعاطي مع عمليات القبول المُعقّدة التي تفرضها تلك الشركات، ناهيك عن معيق اللغة العبريّة والانجليزيّة، إضافة إلى الحقيقة الناجزة أن معظم الوظائف الشاغرة متواجدة في منطقة مركز البلاد في حين أن أغلبية المجتمع العربي تعيش في شمال البلاد. إذن المُعيقات والتحديات مُتعددة ومنها ما هو خارجيّ يصعب التغيير فيه (الجغرافيّ مثلا) وداخلي – ممكن التغيير فيه (الشّعور بالضّعة، اللغات مثلا).
في هذا السياق، أريد التوقّف عند مُعيق شائك وشائق في نفس الوقت: مُعيق تفاوت الثقافات القائم بين المرشح العربيّ، وبين المُشغّل اليهودي. فنحن كأبناء للمجتمع العربي الجماعي (collectivistic society) نحظى بتربية الثقافة الجماعيّة التي تُشجّع التواضع والتواصل والتفاعل الاجتماعي واحترام الآداب والسلوكيات الاجتماعية، بما في ذلك الامتناع عن التغريد خارج السرب وتفادي القول الواضح والمُباشر لألاّ يغيض الآخرين، والحرص على علاقاتنا "الطيّبة" على حساب قول ما يجول في خاطرتنا، فترانا نتلوّى هنا ونُساير هناك، ونُجمّل قولنا وموقفنا تحسّبا من إحداث أي "أضرار" في علاقاتنا الاجتماعيّة. هذا هو النسق الذي نترعرع فيه ونذوّته، في حين أن المُشغّل اليهودي (الغربي) يأتي من خلفية ثقافية مُختلفة – الثقافة الفردويّة (individualistic society) التي تُشجّع الذّاتيّة والتركيز على الأنا وإبداء الرأي والرأي المغاير وانتهاج القول المُباشر دون الالتواءات، فترى انفعال الفرد من انجازاته عندهم شخصيا وذاتيا، في حين يكون انفعالنا بإنجازاتنا كأفراد في مجتمعنا العربي منوطا بمدى انفعال الآخرين وافتخارهم بها. في الوقت الذي يكون "أنا" في مركز حراك الإنسان (الغربي)، يكون "نحن" في مركز الحراك (الشرقي).
هذا التفاوت الثقافي يطفو على السطح في أكثر من لقاء بين الطرفين – في الجامعة أو الكليّة ومن ثم في مقابلات العمل وداخل أروقة الشركات و المؤسسات. كما المحاضرين في الجامعات ، كذا مندوبي الشركات ومدرائها يتوقّعون من الطالب فالمرشّح فالموظّف أن يكون فعّالا يبدي آراءه وأفكاره وإن كانت مغايرة، أن يُسوّق نفسه وقدراته وكفاءاته، وأن يكون مُستقلّا وخلاّقا في حراكه، نعم هي توقّعات "فردوية-غربية" غريبة عن النسق الشرقي الجماعي الذي نعيشه، وهذا التفاوت الثقافي يُشكّل عقبة أمام الإنسان العربي في هذه البلاد في سياق سيرورته المهنيّة.
قد نُعوّل على الوعي المُتزايد لدى أكاديميينا في إدراك طبيعة مُتطلبات المنظومة الغربية في المؤسسات الاسرائيلية والتدرّب للتعاطي معها، بالإضافة لازدياد حاصل نلاحظه في السّنوات الأخيرة في الشركات والمؤسسات التي تبدي انفتاحا على فكرة التشغيل المتنوّع (Diversity) وما تتطلّبه من تفهّم لتنوّع ثقافات العاملين لديها.
حلول عيد العُمّال العالمي هو فرصة لتقييم مُجدّد للتحدّيات التي يُواجهها الإنسان العربي في سوق العمل الاسرائيلي، وللموارد والطاقات التي يبذلها لتحقيق العيش الكريم في هذه البلاد، ما يقتضي صياغة مفاهيم ودلالات جديدة ومُحتلنة لعيد العًمّال في ربوعنا.

نيسان 2017

أضف تعليق

التعليقات