لكي لا نفشل في أكتوبر
بقلم: مطانس شحادة
تاريخ النشر: 06/10/2012 - ساعة النشر: 09:30
تاريخ التعديل الاخير: 06/10/2012 - ساعة التعديل الاخير: 09:30
كان من المتوقّع أن تتحوّل ذكرى هبّة أكتوبر إلى حدث مؤسّس في الوعيّ الفِلَسطينيّ الجمَعي في الدّاخل، وإلى علامة فاصلة في الممارسة السياسيّة والمطالب، وأن تخلّد ذكرى الهبّة والشّهداء

خرج الفلسطينيّون في إسرائيل في أكتوبر 2000 للتّعبير عن موقف سياسيّ قوميّ رافض السياسة الإسرائيليّة تجاه الشّعب الفلسطينيّ في الأراضي المحتلّة والقتل والدمار والاحتلال، ورافض الفصل بين فئات الشّعب الفلسطينيّ على شَطرَي الخطّ الأخضر. وبذلك تعكس هبّة أكتوبر تغيير في هُويّة الفلسطينيّين في الداخل، رؤيتنا لذاتنا ولعلاقتنا بدولة إسرائيل. 

أحببت الخبر ؟ شارك اصحابك


كان من المتوقّع أن تتحوّل ذكرى هبّة أكتوبر إلى حدث مؤسّس في الوعيّ الفِلَسطينيّ الجمَعي في الدّاخل، وإلى علامة فاصلة في الممارسة السياسيّة والمطالب، وأن تخلّد ذكرى الهبّة والشّهداء والجَرحى بشكل سنويّ، دون نقاشات ومناكفات حزبيّة، وأن يتمّ إعلان ذكرى هبّة أكتوبر يوم إضراب (دون الحاجة لإقراره في كلّ عام)، دون اعتبارات النجاعة والرّبح والخسارة، لا السياسيّة ولا الاقتصاديّة.

على أرض الواقع لم يحدث ذلك، بل أنّنا نشهد - لأسباب عديدة - تآكل ما في إحياء ذكرى هبّة أكتوبر على مدار السّنوات الأخيرة، ربما أصعبها هذا العام! إذ جاءت ذكرى هبّة أكتوبر هذا العام بنكهة مختلفة عن السّنوات السابقة، متأثّرة من بيئة سياسيّة مُحبطة ومُثقلة بالهموم، داخليًا وفِلَسطينيًا وإقليميًا. فمثلاً، أبرز سمات القضيّة الفلسطينيّة في الفترة الرّاهنة هي المساعي لإنعاش وإحياء اصطناعيّ للسّلطة الفِلَسطينيّة بأوكسجين المساعدات الإسرائيليّة لمنع انهيارها، وفشل - إن لم نقل تنازل - القيادات الفلسطينيّة عن وضع تصوّر لإعادة توحيد «القضايا الفلسطينيّة» وإرجاعها إلى القضيّة الأم الأصليّة كقضيّة تحرّر وطني وقضيّة حق تقرير المصير. وها هي الثّورات العربيّة عامّةً، والحالة السّوريّة خاصّةً، تربك العالم العربيّ وتفتّته وتحقّق ما فشلت في تحقيقه الحروب الإسرائيليّة والأمريكيّة في المِنطقة. وهي، أيضًا، تُربك وتقسّم الفِلَسطينيّين في الدّاخل، وتضيف عوامل تجاذب وخلاف داخل أبناء الشّعب الواحد وداخل تيّاراته السياسيّة الواحدة، إلى حدّ الخجل. ناهيك عن عجز لجنة المتابعة اتّخاذ قرار الإضراب وإحياء ذكرى هبّة أكتوبر، ولا نقول فقط الشّهداء والجرحى، بشكل لائق.

في هذه الظروف، وبعد مرور 12 عامًا على هبّة أكتوبر، لا بدّ لنا كمجموعة وطن أصلانيّة، من إجراء مراجعة ومحاسبة داخليّة، حول تعاملنا مع هبّة أكتوبر، إسقاطاتها ونتائجها، تشمل مراجعة تصرّفنا الجماعيّ، وتصرّف المؤسّسات العربيّة الجماعيّة (مثل لجنة المتابعة) كممثّل للعمل المشترك الافتراضيّ للفِلَسطينيّين في الداخل، ومراجعة دور وأداء الأحزاب العربيّة كي لا نفقد معاني هبّة أكتوبر، ولكي لا تكون الذّكرى هشّة أمام تقلّبات سياسيّة محليّة أو إقليميّة، مرهونة بمزاجات حزبيّة.

باعتقادي المتواضع، هناك غياب لعمل جماعيّ يرمي إلى تحويل الحدث إلى رافعة لتغيير مكانة الفِلَسطينيّين في الدّاخل، وإلى بناء مشروع وطنيّ جامع نتّفق عليه بالحدّ الأدنى، ووضع آليّات عمل جديدة تتعامل مع التحوّلات في السياسات الحكوميّة تجاه الفِلَسطينيّين في الدّاخل؛ بل أنّنا لم ننجح في تحويل الحدث لمناسبة وطنيّة جامعة، تؤسّس لوعي جماعيّ مختلف؛ وتقصيرنا في تخليد ذكرى الشّهداء وتوثيق قصصهم وسرد ما وقع في هبّة أكتوبر، بالحد الأدنى.

وقد يكون أحد أبرز أسباب هذا العطب في التّصرف الجماعيّ وتصرّف المؤسسات الجمعيّة والأحزاب، هو غياب تعريف جماعيّ متّفق عليه لهبّة أكتوبر، مسبّباتها ونتائجها، واختلاف في التّعاطي مع نتائج الحدث، بسبب غياب المشروع الجماعيّ كسقف يعمل تحته الجميع. فمن حيث تعريف وتفسير الحدث، تراوح التّفسيرات المطروحة - وهي استمرار للسّجالات الحزبيّة القائمة في المجتمع الفِلَسطينيّ - بين البُعد المعيشيّ الاقتصاديّ اليوميّ، والبُعد الدينيّ، والبُعد القوميّ في التّصرّف البطوليّ الّذي أبداه الفِلَسطينيّون في الدّاخل، على الرّغم من وجود رواية تاريخيّة جماعيّة لوصف الحدث. والأسوأ، أنّنا لم نتّفق بعد، كمجموعة قوميّة، على استخلاص العبر وتوظيف نتائج هبّة أكتوبر لتغيير الوعي السياسيّ والمطالب السياسيّة أو وضع مشروع سياسيّ موحّد نتّفق عليه بالحد الأدنى للرّد على التحوّلات الخطيرة للغاية في تعامل الدّولة مع السّكّان الفِلَسطينيّين بعد هبّة أكتوبر. إذ يقترح الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ أن يكون الرّد عن طريق بناء علاقات وائتلافات مع شظايا اليسار الإسرائيليّ، الّذي سقط في مصيدة الإجماع الصِّهيونيّ في هبّة أكتوبر؛ وتختار الحركة الإسلاميّة (الشّق الشماليّ) الانعزال عن المجتمع الإسرائيليّ وعن المنظومة السياسيّة والحزبيّة الإسرائيليّة، وتفضّل تنظيم المجتمع على أساس دينيّ في انتظار حلّ إلهيّ؛ ويطالب التّجمع الوطني الديمقراطيّ بوجوب تنظيم المجتمع الفِلَسطينيّ على أساس قوميّ ديمقراطيّ وطرح مشروع على المجتمع الإسرائيليّ ككلّ؛ لا البحث عن حلفاء، ليكون بديلًا للنّظام القائم في الدّولة، وكنوع من أنواع التّسوية التّاريخيّة.

مقابل هذا التّشرذم هناك تحوّلات جدّيّة، وليست جديدة، في تعامل الدّولة مع السّكّان الفِلَسطينيّين على أثر هبّة أكتوبر. إذ نجد محاولات جادّة لإعادة تعريف «مشكلة الفِلَسطينيّين في الدّاخل» من قضيّة يمكن احتوائها بثمن مقبول بواسطة التّرويض والسّيطرة على التّصرف السياسيّ والوعي السياسيّ للعرب، إلى مسألة تتطلّب حل واختيار بين بدائل، أمّا الحسم لصالح الحفاظ على يهوديّة الدّولة وسيطرة وتفوّق المجموعة اليهوديّة أو التحوّل إلى دولة عاديّة - طبيعيّة ديمقراطيّة، وطبعًا كان الحسم في صالح الخيار الأوّل. لذلك أصبح من الشّرعيّ، بل ومن المطلوب، أن تُسنّ قوانين تمسّ بالعرب بشكل مباشر، وأن تركّز على قمع الهُويّة والوعي القوميّ بواسطة قوانين. كما أصبحت عدائيّة الدّولة أكثر وضوحًا وباتت تقايض المواطنة بتصرّف سياسيّ مقبول، واستعمال أدوات التّرهيب السياسيّ الأمنيّ الجماعيّ والفرديّ، لقمع وتجريم العمل السياسيّ.

فهل يمكن أن تكون المطالب السياسيّة والنّهج السياسيّ الجماعيّ بعد هبّة أكتوبر، والتّحوّلات الحاصلة في تعامل الدّولة شبيهة بما كانت عليه قبلها؟ وهل يعقل أن نتعامل مع التّغيّرات في سياسات الدّولة وسنّ القوانين العنصريّة، منها قوانين تُشرعن سياسات الفصل العنصريّ على أرض الواقع، بنفس أدوات العمل والعقليّة الّتي سادت قبل هبّة أكتوبر؟ طبعًا لا. المطلوب الآن، وقبل فوات الأوان، عدم تحويل ذكرى الهبّة إلى فولكلور تقليديّ يجوز فيه الاجتهاد في كيفيّة إحياء الذّكرى، بل إعلانها يومًا وطنيًا يُضرب فيه الفِلَسطينيّين في الدّاخل كلّ عام. وألّا نختزل الحدث، كما يحلو للبعض، بمطالب مدنيّة مطلبيّة معيشيّة، بل إعادة البُعد القوميّ والوطنيّ للحدث، ليكون مناسبةً لطرح مشروع وطنيّ جماعيّ مُناهض للإجماع الإسرائيليّ، يكسر وهمّ الخط الأخضر، كما كسره الشّهداء والمُصابين بدمائهم وعطائهم. وألّا تربط ذكرى الحدث بمزاجات عابرة أو تتأثّر من أحداث مُستجدّة. وهذا ليس مستحيلاً، خاصّةً على ضوء مثابرة الأجيال الشّابة بالمشاركة الرائعة في إحياء ذكرى الأحداث الوطنيّة الجامعة، وإصرارها على إحداث نقلة نوعيّة بصيغة ومضامين إحياء المناسبات الوطنيّة.
 


إقرأ أيضاً:

سيشيّع جثمانه الطاهر اليوم الاثنين من بيته الكائن في قرية نين إلى مسجد القرية ومن ثم إلى مثواه الأخير
الوالد: سأعمل على تحقيق هذا الهدف لابني حتى يصل الى حلمه ويحققه , من هنا اوجه رسالة لجميع الاهالي , شجعوا ابناءكم وحققوا لهم اهدافهم لان ...
شارك في هذه المباريات فرق عديدة من مختلف مراكز الشبيبة في المدينة , وذلك تحت شعار التاخي التعاون و العطاء
سيشيع جثمانه الى مثواه الأخير اليوم الاثنين عند الساعة الخامسة والنصف من كنيسة مار جوارجيوس للروم الكاثوليك المغار ومن ثم الى مثواه ...
يفتتح المؤتمر البروفيسور نعيم شحادة – المركز الطبي رمبام، ومدير قسم الأولاد " أ" ومدير عيادة السُكري والسُمنة الزائدة لدى الأطفال، الذي ...
يجب علينا التّعدّي على خصوصيّات بناتنا وأبنائنا.. والحدّ من حرّيّاتهم

أضف تعليقك
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
عليك تعبئة الحقول الاجبارية
تعليقات Facebook
مركزية حيفا ترفض محاولة مقاول نصراوي تأجيل دفع تعويضات لعروسين

المحكمة المركزية في حيفا ترفض محاولة أخرى لكسب الوقت من قبل مقاول ...

تكريم المحامية الحيفاوية الكفيفة دعاء ابو يونس

دعاء (26 عاما), كفيفة من الولادة, خريجة الثانوية البلدية عيروني أ, انهت ...

عرابة: فعاليات متنوعة في مخيم الشبيبة الشيوعية الـ30

من ابرز النشاطات والفعاليات التي اعتاد مخيم الطفولة والسلام للشبيبة ...

انباء عن قصف اسرائيل لسيارة في القنيطرة السورية

افادت قناة "الميادين" عن غارة اسرائيلية استهدفت سيارة في ريف القنيطرة ...

لائحة الاتهام بحرق كنيسة الطابغة: الخلفية عداء وكراهية للديانة المسيحية

منذ عام 2009 تم الاعتداء وحرق 43 مسجداً وكنيسة و منذ عام 2011 كانت هناك 17 ...

رسالة لروح أمى

يا أمى قلبى حزين وعّنَيِا فيها دموع...ليه ياأمى فراقك يكون قدر ومقسوم ...

 أعطني مسرحًا أعطك ثورة

كان هناك انسجام تام بين الكلمة والحركة.. بين القلب الذي نبض واللسان ...

تركيا.. ليست حرباً على داعش بل تصفية حسابات مع الأكراد..!!

اضح بأنه اذا ما أكمل أردوغان مخططاته بخلق منطقة عازلة أو آمنة في ...

اقتراح قانون لإطالة مدة إجازة العمال والموظفين

تقترح النائبة عزاريا زيادة ثلاثة أيام ، على الاقل على مدة الاجازة ...

ذا ماركر: بعد تورط الحكومة والضغط الشعبي : فتح مشروع الغاز من جديد

الوزير يوفال شطاينتس التقى أمس مع يتسحاك تشوفا ومندوبي شركة " نوفل ...

انطلاق الاعمال لإنشاء مركزية الخليج للمواصلات العامة

باشرت بالحفريات لانشاء أرصفة جسر محطة قطار المرج "هعيمك" واقامة الجناح ...

قريبا .. ورقة 200 شيكل جديدة

ستكون على الورقة صورة الشاعر ناتان ألترمان (أحد الشعراء الإسرائيليين ...

تل أبيب: اصحاب المصالح يعارضون مشروع القطار الخفيف

الدعوى موجهة ضد بلدتي تل ابيب ورمات غان ، والشركة المسؤولة عن المشروع ...

طريقة لاستخدامواتساب من دون رقم الهاتف

أهم شيء هو إلغاء نظام استلام الرسائل وهذا يتم بكل بساطة ومن خلال وضع ...

أول شاشة توفر ميزة الشحن اللاسلكي

الشاشة التي تتوفر في قياسين اثنين من حيث حجم الشاشة، هما 23.6 و27 بوصة، ...

توفر آبل ووتش الذكية على Best Buy الشهر القادم

سيتضمن مخزون Best Buy من الساعة الذكية آبل ووتش الإصدار الرياضي من ...

شبابنا ومواقع التواصل الإجتماعي، نعمة أم نقمة؟!

على سبيل المثال شاب في جيل ما قبل الـ16 عاما غالبا ما يبحث عن الألعاب، ...

مركز أمان لتويتر للحماية من المضايقات

أوضحت الشركة الأميركية أن اهتمام مركز الأمان الجديد ينصب في المقام ...

X أغلق