لكل جواد "كبوة"؟
د. رفيق حاج
تاريخ النشر: 16/10/2013 - ساعة النشر: 10:05
تاريخ التعديل الاخير: 16/10/2013 - ساعة التعديل الاخير: 10:05
هنالك صراع بين التيار الديني والتيار العلماني على الهيمنة السياسية وهنالك غياب للثوابت الوطنية والشعور بالانتماء إلى الشعب الواحد وهذان سببان كافيان للتقطيب الحاصل في مجتمعنا

هنالك صراع بين التيار الديني والتيار العلماني على الهيمنة السياسية وهنالك غياب للثوابت الوطنية والشعور بالانتماء إلى الشعب الواحد وهذان سببان كافيان للتقطيب الحاصل في مجتمعنا

إن وصفَ ما كتبهُ جواد بولس في مقالته بعنوان "الناصرة أخت لبيت لحم" بأنه "كبوة" بمعنى "زلّة" قد يأخذنا إلى منحى آخر غير ذلك الذي وددتُ التطرق إليه، لكن بما أننا في صدد "جواد" الاسم والمُسمّى، فكان استحضار هذا المثل العربي أمرا واجبًا ولو من باب التنميق الكلامي واللعب بالألفاظ. أنا لا أعتبر ما كتبه جواد زلّة لسان، وإنما صرخة استغاثة، تعبّر عن رأي المستغيث أولا، ومن بعدها قد تعكس حالة قلق تعيشها الأقلية المسيحية في هذه البلاد. إن الهجوم العنيف الذي قامت به بعض الأوساط على ما قاله جواد يدل على انعدام لغة حوار ومناقشة وتقبل الآخر، وبعضه يهدف الى الصيد في المياه العكرة والى القذع والتشهير واغتنام الفرصة للنيل من القوى الوطنية الفاعلة على الساحة في الناصرة.

من أجل منع الالتباس وجدت من واجبي ان أدلي لكم بما كتبه جواد بالحرف الواحد، وهنا أعتذر منكم ومن الكاتب لو كان بالاقتباس نوع من الانتقائية المجحفة بحق الصورة الكاملة التي حاول ايصالها. بعد ان استذكر جواد حالة "الانقراض" التي تعيشها الأقلية المسيحية وقيام بعض منها بمهاجرة البلاد استطرد قائلا: "...فما دامت فلسطين كلها تعاني حالة اجتماعية واحدة، وتعيش فضاءً ثقافيًا متناغمًا، فإن على قادة الجماهير العربية في داخل إسرائيل التكامل مع ما قامت به قيادات فلسطين، والتنسيق للعمل على وضع مشروع وطني مشترك، مبتدؤه دراسة مقترح يقضي بأن يُحفظ منصب رئيس بلدية الناصرة لمسيحي أو مسيحية من أبنائها. لا يعنيني في هذا الشأن المكسب الطائفي الكنسي، بل ما سيحقّقه هذا القرار من مردود ومعان وما سترمز إليه هذه الخطوة. فما دامت فلسطين، بكل دياناتها وأطيافها، قد قبلت ما استحدثته قياداتها منذ قريب العقدين في مناطق ٦٧ فلماذا لا يصح ذلك على الناصرة، وهي بلد البشارة والمسيح عليه السلام ومريم التي طهّرها الله واصطفاها على نساء العالمين..".

انا لا أشك بتاتا بقدرة جواد على نقل المشهد الذي وقف أمامه من مكانه وحسب رأيه ومن الجائز انه يعكس مشاعر شريحة لا بأس بها من المسيحيين التي ينتابها شعور من القلق والخشية من تعاظم قوة ما يسمونه "الإسلام السياسي" في العالم والمنطقة، ولكن ما أشك به هو نجاعة الحل الذي يطرحه. هل تخصيص مقعد الرئاسة في بعض السلطات المحلية، التي تعاني من النقص في الموارد والغارقة بالديون، للطائفة المسيحية هو الذي سيضمن الحريات والشعور بالأمان والعدل والمساواة والتآخي بين الطوائف؟ وماذا عن المذاهب الأخرى القائمة الأرثوذكسية والكاثوليكية واللاتينية والمارونية وهل بالإمكان ان نكون منصفين معها كلها عن طريق العملية الانتخابية؟ هل تخصيص المناصب في لبنان للمسيحيين والمسلمين والدروز قهر العنصرية ودحر العنصريين او انه ادى الى مأسستها وتحويلها الى ظاهرة مقبولة، وكلنا نعرف انها قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة.

قد تكون عملية "التخصيص" هي أحد الحلول المطروحة ولكن من الواجب علينا أن نناقش بشكل علمي وحضاري وموضوعي حلولًا أخرى على الطاولة لنتأكد أن الجهد الذي نبذله يساهم فعلا في حل للمشكلة. مع أني شخصيا أميل الى التفكير بأن المشكلة ليست بالحدّة التي يستشفها القارئ من مقالة جواد بولس. قد تكون عملية المقارنة بين حالتين او حدثين او موقعين أداةً غير موفقة للاستنتاج نظرا لوجود متغيرات أخرى قد تكون غابت عن بال طارحها. يحاول جواد ان يقنعنا أن الحل الذي طُرح في حالة "أ" هو الحل الصحيح ويجب ان نتبناه في حالة "ب"، فحسب رأيه "بيت لحم" و"الناصرة" هما صورتان طبق الأصل وما صلُح ونفع في "بيت لحم" سيصلح وسينفع في الناصرة.

طبعا هذا غير دقيق، أولا بيت لحم ترزح تحت الاحتلال الاسرائيلي الذي ينتهك بشكل سافر حرمة الانسان ويحدد حريته بالتنقل، وهذان سببان كافيان لأن تقوم بعض الشرائح المعدودة على الطبقات العليا في المجتمع الفلسطيني ومن ضمنها مجموعات مسيحية ان تغادر البلاد بحثا عن الحريات والعيش الكريم. لم أسمع عن بحث اثبت به أن هجرة المسيحيين من فلسطين جاءت خشية من "الجرف الإسلامي". والمُراقب لحال المسيحيين في إسرائيل لا يجد ان غبنا قد لحق بهم او انهم يعيشون على هامش الحياة. هنالك الكثير من المسيحيين الذين يتبوأون، وبجدارة، مراتب سياسية واجتماعية واقتصادية وإعلامية هامة فهنالك أعضاء الكنيست والقضاة ورؤساء لجان التنظيم ومدراء البنوك ومدراء المدارس (في بلدات ذات أغلبية مسلمة) ورؤساء التحرير ومدراء عامون للإذاعة والتلفزيون وهنالك أيضًا رجال أعمال ناجحون يساهمون في تطوير الاقتصاد المحلي. والاحصائيات تدل على أن المسيحيين ينعمون بثقافة وبدخل يفوق الأكثرية الإسلامية. إذا أين الحاجة هنا بتخصيص مراتب لمسيحيين اذا كانوا قادرين ان يصلوا الى هذه المراتب المرموقة بمؤهلاتهم وعلاقاتهم الشخصية؟

لا شك ان المقارنة بين حالة المسيحيين في بيت لحم ورام الله وحالتهم داخل البلاد التي قام بها جواد تستوجب التفكير الجاد لكن هنالك حاجة لإثبات صحتها وصحة مصدرها. انا طبعا لا أقلل من شأن الصرخة التي أطلقها جواد التي كان يمكن ان يطلقها "يوسف" او "ابراهيم"، أما الرد عليها عن طريق التشكيك به وبمآربه غير مجدٍ ويزيح الضوء عن القضية الأساسية.

حسب رأيي هنالك صراع بين التيار الديني والتيار العلماني على الهيمنة السياسية وهنالك غياب للثوابت الوطنية والشعور بالانتماء الى الشعب الواحد وهذان سببان كافيان للتقطيب الحاصل في مجتمعنا. ليت باحث من باحثينا يسارع بإدراج هذا الموضوع بأولوياته لكي نصل الى الحقيقة وساعتها سنجلس لنتحاور ونتناقش بشكل مثرٍ لما به الخير للجميع. يظل أيضًا أمر يدعو إلى التساؤل وهو التوقيت غير المناسب الذي اختاره جواد لطرح القضية؟ هل استفادت القوى الوطنية التي ينتمي إليها جواد من هذا الطرح؟!


أضف تعليقك
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
عليك تعبئة الحقول الاجبارية
تعليقات Facebook
د. عامر يحذّر من الأفاعي ويقدم نصائحه

حذر د. عامر من محاولة علاج المصاب عبر مص السم موضحًا أنه يجب نقل المصاب ...

القدس: هدم منزل جنوب المسجد الأقصى

طواقم البلدية اقتحمت حي قدوم بحماية من عناصر الوحدات الخاصة بالشرطة ...

دراوشة لبُكرا: 500 شخصية و600 جمعية اكدت مشاركتها في المؤتمر غداً

مؤتمر " جفعات حبيبة الثالث"، بمشاركة مؤسسات مختلفة منها شتيل، موقع ...

مسلسل الحرائق مستمر في القدس: 18 سيارة اطفاء لإخماد حريق

علم موقع بكرا ان 18 سيارة اطفاء ايضاً تعمل على اخماد الحريق وان طواقم ...

بلدية الطيبة: إضراب المدارس مؤسف وأطفال الطيبة لم يلتقوا بجنود

من المؤسف أن يخسر الطلاب يوم تعليمي بسبب إشاعة وحتى دون التأكد من ...

في الذكرى ال 67 للنكبة- نستذكر: مرثاة فلسطين - والشاعر الشعبي فرحان سلام

بعد سقوط القرية ، نزح السكان إلى الناصرة وقد وصلوا إليها حيث سكن البعض ...

مجلس طلعة عارة: تلوثنا يا مجلسنا

حياتنا صحتنا اطفالنا بأيديكم،! لا نريد شعاراتكم التي تكتبونها بفترة ...

جمع مؤنث سالم

«جمع مؤنث سالم»، الموءود، يستحق البقاء، يدين الرعديد الذى بطش به، ...

احتكارات الغاز  تورط كحلون و تطيّر غيلو!

على اثر اعلان البروفيسور " غيلو" عن استقالته، ارتفعت اصوات التنظيمات ...

عمّال فلسطينيون في القدس ومناطق الاستيطان في معركة البقاء

ستنظم قبل المؤتمر ندوة نقاش حول هذا الموضوع ستركز على موضوع العمال ...

ذا ماركر: خلفًا دُر: كحلون تخلّى عن التعاطى مع احتكارات الغاز

وزير المالية ( كحلون) حوّل صلاحياته الخاصة باقتصادات الغاز إلى رئيس ...

نتنياهو مستمر بدفع الخطة الخاصة باستخراج الغاز الطبيعي من البحر

اوضح نتنياهو في سياق جلسة مجلس الوزراء اليوم ان اسرائيل ستقوم بالنقيب ...

البطالة في إسرائيل في أدنى مستوياتها  ويمكن أن تتدنّى اكثر!

في هذا السياق صّرحت " استر طوليدانو" ، وهي خبيرة في سوق العمل وباحثة في ...

أين ستكون المناطق الأكثر حرارة وجفافاً اليوم؟

الناصرة ستصل درجة الحرارة الى 40 درجة مئوية، وفي البحر الميت 48 درجة ...

اختراع فلسطيني يحقق 30 ألف دولار في أوروبا خلال 5 أيام فقط ..!

هذا الأمر كان مغامرة لكن بنفس الوقت يوجد تقبل أكثر للافكار الجديدة ...

شائعات.. آيفون 7 يحدد المواقع الجغرافية بالسم

كتب بعض المعلقين على هذه الأخبار أنهم يتوقعون النجاح الباهر لشركة أبل ...

جوجل تعلن عن طرح نظام تشغيل للساعات الذكية

بحسب موقع “تك كرنش” فإن الإصدار الجديد من تطبيق “غوغل نيوز” سيتيح ...

Itworks تعقد لقاء الهايتك للطلاب العرب غدًا

فازت مؤخراً جمعية ITWORKS ، بمناقصة وزارة الاقتصاد والتي تهدف لدمج الطلاب ...

X أغلق