في ذكرى يوم الأسير الفلسطيني تتذكر كل عائلة فلسطينية أبناءها الذين يقبعون في السجون على آمل أن يأتي ذلك اليوم ويلتقون بهم، وهم واثقون بأنهم أحياء، لكن الشعور يختلف من أسير لآخر، إذ أن هناك بعض الأسرى ممن أسرت جثتهم بعد استشهادهم.

مثال على هذا الواقع هو الشهيد زياد عبد الرحيم اقعيق من مدينة الطيبة، والذي شارك بعملية معلوت ترشيحا في العام 1975، حين تسلل داخل الأراضي اللبنانية، ومن ثم عاد برفقة مقاومين (احدهم من يافا والثاني من الأردن) وهم يمتلكون السلاح ودخلوا إلى فلسطين المحتلة. 

عملية ترشيحا أسفرت عن مقتل 26 وإصابة العشرات..

المجموعة كانت تنتمي لتنظيم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وكان هدفهم إبرام صفقة تبادل أسرى مع إسرائيل من اجل إطلاق سراح رفاقهم بالسجون، فاقتحموا مدرسة واستعملوا من كل بداخلها كرهائن، وبعد مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي شعر المقاومون بالقلق من احتمال الغدر فقاموا بتفجير أنفسهم بالرهائن، ما أدى إلى مقتل 26 شخصا وإصابة العشرات.

صبرية اقعيق:" الشهيد اخذ جميع امواله.."

وروت صبرية اقعيق (أم رياض) وهي والدة الشهيد زياد، وهي تركية الأصل، ما جرى في ذلك اليوم فقالت:" قبل خروجه للعملية بأيام قليلة، توجه الشهيد – وكان حينها يبلغ من العمر (18 عاما)- إلى والده وطلب أن يأخذ كل أمواله التي جمعها خلال فترة عمله، وبعد عدة محاولات فاشلة من قبل الوالد معرفة الأسباب ذهب إلى المصرف وسحب جميع أموال الشهيد وأعطاه إياها".

" ودعنا ركب سيارة وغادر دون رجعة.."

وأضافت:" بعدما اخذ أمواله، مرت عليه ثلاثة أيام وكان قلقا جدا، وكنت اشعر هذا الأمر باديا على وجهه، إلا أن أتى ذلك اليوم، وهو اليوم الأخير له في البيت، وأنا كنت في العمل في الصباح، فاتت سيارة وقام زياد بجمع أمتعته والركوب بتلك السيارة بعد أن وقف وتمعن البيت جيدا وكأنه يودعه، وأوصى أخته الصغيرة أن توصل لي سلاماته، وركب بالسيارة وغادر الطيبة إلى مكان لم نعلمه إلا حين وصول خبر استشهاده".

" زياد اختفى والسائق لم يعرف أين ذهب"

وتابعت قائلة:" عندما عدت إلى البيت من العمل، قالت لي ابنتي أن زياد احضر سيارة بيضاء اللون وسافر بها برفقة سائق، وفي اليوم التالي لم اذهب إلى العمل، قلت لها أن تراقب الشارع لتقول لي عنها عندما تمر، وبالفعل حينما مرت السيارة دعتني، فأوقفت السائق، وسألته عما إذا كان هو بالفعل من اقلّ ابني زياد، فاعترف بذلك، فسألته إلى أين ذهب، فقال لي انه لا يعرف، إذ أن زياد لم يخبره إلى أين سيذهب، هو اقله إلى منطقة نائية وقبل أن ينزل من السيارة حمّله أمانة، وهي إيصال سلامه إلى أهل بلده الطيبة، وحاول أن يبحث عنه بعدما نزل ذلك فلم يجده، بمعنى أن زياد اختفى ولم يعرف له أي اثر، علما أن الشرطة قامت بإخضاع هذا السائق للتحقيق بعد ذلك".

" وصلني الخبر كالصاعقة لأنه كان بارا وجادا"

وأردفت قائلة:" عشنا بعد ذلك اليوم أيام عصيبة، قضيناها ونحن نبحث عن زياد، لم ندخر جهدا إلا واستعملناه للبحث عنه دون جدوى، وبعد فترة، وفي احد الأيام عدت من العمل، وقمت بغسل الملابس، فأتى ابني الصغير، وقال انه سمع أحاديث في البلد آنذاك عن شقيقه زياد، فلم أصدقه وأبعدته عني، فعاد إلي محاولا إقناعي، فلم اصدق، فاتت لي إحدى قريباتنا وقالت لي اذهبي لترتاحي وأنا أكمل الغسل، فرفضت، وبدأت بالبكاء والعويل على زياد وقالت لي انه استشهد، نزل الخبر علي كالصاعقة وأغمي علي كانت لحظات عصيبة فعلا، زياد كان شابا رائعا وبارا بأهله ومعروف عنه وطنيته وشجاعته وعلاقته الطيبة مع الجميع، كان يعمل بجد بنشاط ولكننا لم نتوقع هذا الأمر".

" الاحتفاظ بالجثث عمل غير انساني"

وعن أملها باستلام جثته قالت:" أنا أتمنى أن تعود جثته، فالعملية التي نفذها كانت منذ زمن بعيد ولا داعي الاحتفاظ بها إلى الان، نحن نعاني جدا من بعد الجثة، هذا عمل غير إنساني، إسرائيل تدعي أنها تحكم الضمير لكنها لا تلتزم بذلك، مع العلم أننا لجئنا إلى القضاء من اجل هذه القضية ولم نفلح بجلبها، وآمل أن نحصل عليها في يوم من الأيام".

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]