بدأ الحوار حول انتخابات مجلس الشعب مابين داعين لتأجيلها سنة أو سنتين لدواع أمنية وسياسية، يستعجلونها، ومعظمهم من الرأسمالية المستغلة وأنصار النظام القديم الذين يأملون فى السيطرة على ناصية الأمور فى عجالة مستغلين تدفق الأموال، العنصر حاسم فى الانتخابات فى حميع دول العالم! لقد وجدت نفسى فى حيرة وتساءلت.. ماذا يفعل المواطن الذى يؤيد الرئيس السيسى فى هذه الانتخابات؟ من يختار؟
إن الرئيس السيسى حصل على 97% فى انتخابات الرئاسة، كيف نترجم هذا سياسيا فى انتخابات مجلس الشعب؟ والأمر كله يثير علاقة الشعب برئيسه المستحوذ على قلبه وعقله، كيف يستمر اتصاله بشعبه؟

فى العالم كله يكون هذا عن طريق تنظيم سياسى تمتد فروعه من أقصى البلاد الى أقصاها. تنظيم يربط بين القائد والشعب؛ يتلقى توجيهاته، وينقل له فى نفس الوقت مشاكل القاعدة الشعبية ومطالبها وآمالها. تنظيم تبرز من خلاله نخبة سياسية تقود البلاد فى المستقبل. تنظيم يقف أمام الأعداء فى الداخل؛ يواجههم بالحجة والمناقشة. تنظيم يسد الفراغ السياسى الموجود، يلجأ اليه كل مواطن شريف يعمل من أجل مصر.

حقا إن ظروفنا فريدة؛ فنظامنا السياسى قام بعد ثورتين، والرئيس السيسى لم يسانده حزب وإنما أيده شعب بأجمعه. والثورة معناها التغيير السريع، وإقصاء رجال النظام القديم على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتطهير الأداة الحكومية. كيف سيحقق الرئيس السيسى كل هذا؟

إن الثورات يخفت فورانها بعد فترة، وينصرف الأغلبية الى شئون حياتهم الخاصة، كيف سيتواصل الرئيس مع شعبه؟ كيف يفسر له قراراته وسياساته ويتلقى ردود الفعل؟ كيف يشعر الرئيس بنبض الشعب؟ وكيف يستطيع أن يعبئه لمصلحة هذا الوطن، ومن أجل تحقيق خططه وأمانيه؟

إن المرحلة القادمة تحتاج الى تضحيات كبيرة من الشعب، وهذا هو المناخ الذى ينتعش فيه الأعداء فى الداخل؛ بإمكانياتهم اللانهائية، دفاعا عن مصالحهم المعنوية والمادية التى تقدر بالمليارات، والتى حصلوا عليها خلال الأربعين عاما الماضية بدون وجه حق! والنغمة المعتادة بدأت؛ الحرية والديمقراطية ورفض الديكتاتورية وحكم الفرد! والدعوة للفصل بين السلطات؛ هذا الوهم الذى لا ينطبق إلا على السلطة القضائية ففى جميع دول العالم يتم التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وحتى فى النظم الرئاسية كالولايات المتحدة، يجد الرئيس صعوبة بالغة عندما لا يكون لحزبه الأغلبية فى الكونجرس.

إن سبيلنا الوحيدة لحماية أنفسنا وتحقيق أهداف ثورتنا أن نحافظ على وحدة البلد، ولكن ماذا عن المستقبل؟ وكيف نضمن استمرار الوحدة الوطنية فى الأجل القصير والطويل بدون تنظيم سياسى فعال؟! قد يقول قائل إن الرئيس لديه وسيلة نفاذة هى إعلام الدولة! فعلا الإعلام هام جدا بالنسبة للرئيس بل هو حياة النظام. وقد كان عبد الناصر يتصل بوزير الاعلام يوميا، ويطلع على الصحف العربية والأجنبية بانتظام، بل يكتب بخط يده توجيهات تفصيلية ومقالات وبيانات سياسية. ولكن لى رأى فى هذا الصدد..

أشدد على ضرورة تعيين وزير إعلام على كفاءة وثقافة عالية، يمسك بزمام الأمور فى يديه، ويضع وينفذ خطة يتفق عليها فى مجلس الوزراء، ويكون مسئولا مباشرة أمام رئيس الجمهورية.

إن الحالة التى عليها إعلام الدولة الآن لا تسر، فيما عدا الصحافة. وهنا يصبح النظام هو الخاسر فى مواجهة الإعلام الخاص الممول من الرأسمالية المصرية. والواقع أن التنافس هنا على الرأى العام الذى مازال يسند الرئيس السيسى، والذى أخشى مع الوقت وهذه طبيعة الأمور أن ينقلب الجو العام الى خصومة! وقد بدأ مثلا دس السم فى الأخبار والتعليقات مع الإجراءات الاقتصادية الأخيرة، وخاصة ما يمس فيها المصالح الرأسمالية الشرهة. وفى حديث أخير للرئيس السيسى قال: إن الرئيس عبد الناصر كان محظوظا لأنه كان يتحدث والإعلام معه.

الواقع لم تكن المسألة حظا، بل لعل عبد الناصر كان أكثر شخصية وجهت اليها حرب إعلامية فى الداخل والخارج، وكانت وقتها الإذاعة هى الوسيلة الأكثر تأثيرا، ويليها الصحافة والمنشورات. وكان التركيز فى الهجوم من محطات الإذاعة التى كان يديرها مصريون للأسف مثل محمود أبو الفتح من محطة صوت مصر الحرة من باريس، التى كثفت رسائلها المعادية أثناء العدوان الثلاثى على مصر فى 1956. كان المصريون يستشهدون برصاص الفرنسيين والانجليز فى بورسعيد، وهؤلاء يوجهون الميكرفونات لمحاربة النظام والتشهير به! وكانت من أبرز الإذاعات الأجنبية المعادية أيضا إذاعة لندن العربية BBC، وصوت أمريكا، وغيرها.

لقد كانت حربا ضروسا،ولولا إدارتها مباشرة بواسطة عبد الناصر؛ لنجحت فى تشتيت الرأى العام فى مصر وقلبه على النظام! لم يتركوا شيئا إلا وانتقدوه وشوهوه، ثم التباكى على «الديمقراطية المفقودة»! وأتذكر عندما كنت أطلع على وثائق وزارة الخارجية البريطانية المتعلقة بمصر، فوجئت بوثيقة تسجل تعليمات موجهة لدار الإذاعة البريطانية بخصوص الأحداث السياسية بعد العدوان الثلاثى! باختصار لا يوجد إعلام حر! لقد كان الإعلام هو الشغل الشاغل لعبد الناصر، وكان يديره بنفسه ويتابعه عن قرب. وحاليا ألاحظ أن الرئيس السيسى بدأ يشعر بأنه فى حاجة الى الاتصال بالشعب والأخذ والعطاء مع فئاته المختلفة، فتمت لقاءات متعددة وهذا جيد ومطلوب. ولكن عبد الناصر تحدث الى الشعب لأكثر من 365 ساعة خلال ثمانية عشر عاما ونصف العام، ولكنه أدرك مبكرا أن هذا لا يكفى، فالعلاقة مع جماهير الشعب فى مدنهم وقراهم من خلال تنظيم سياسى قوى لا غنى عنها لأى رئيس.

إن مصر معرضة للخطر وتمر بفترة فارقة من تاريخها المعاصر، والقوى المعادية لها كبيرة جدا فى الداخل؛ الرأسمالية المستغلة والرجعية والتيارات الإسلامية، وفى الخارج؛ أمريكا وأوروبا الذين أفشلنا مخططاتهم، ولن يسكتوا فأعينهم على بترول العرب وموقعهم الاستراتيجى!

وهنا أتساءل.. كيف نجابه أعداءنا؟ وما هى قوانا؟ إنها القوى القومية المخلصة التى يجب أن نحرص على وحدتها الوطنية وفاعليتها السياسية، وإصرارها على مساندة نظامنا الثورى وتحقيق أهدافه فى الأجل القصير والطويل.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]