"ألثالثة تالفة" وكما الكثير غيرها من المقولات استوطنت فينا ومنذ القدم وبغض النظر عن صحتها من عدمها، فالمرء خطاء وما معصوم عن الخطأ إلا الأئمة حسب بعض المذاهب الإسلاميّة الأمر الذي كان أثار حفيظة ابن تيميّة في السالف من الأيام، ولا يدور الحديث عن الأئمة القائمين اليوم على "أنكحة" الناس و"هدايتهم" وغيرها من أمورهم، وإنما أولئك الذين حباهم الله بمكانة خاصّة بين البشر وفوق البشر.

المهم في الأمر وحتى لا نغوص في العصمة وما رافقها ونضيّع قصّتنا، فعلى الأقل الكل متفقون أن المرء خطّاء وكثيرا ما يعود على أخطائه عن قصد أو غير قصد، لم يكن هذا الاعتقاد خاصّا بأهل قرية حسّان وإنما عامّا، وقد آمنوا بسياق ذلك وبغض النظر عن دقّة هذا الإيمان من عدم دقته، أن: "الثالثة تالفة"، يعني إذا ارتكب أحد منّا نفس الخطأ أو تعرّض لسقطة وفي نفس الأمر مرتين، والله ستر ولم يلحقه فيهما تلف عن ارتكابه الخطأ أو السقطة، فحظوظه أن يلحقه التلف في المرّة الثالثة كبيرة، هكذا ترسخّ الأمر عند أهل القرية وغيرهم ودون أن يرى أحد حاجة ببحث إحصائيّ يثبت المقولة.

وحتى لا تكون ثالثة حسّان تالفة وقد أحسّ أنها ستكون كذلك، وسيكلفه الأمر كثيرا ممّا لا طاقة به عليه إذ فيه ضياع تعب عمر، كان لا بدّ له إلا أن يدس يده في زنار الشيخ راجيا إياه أن "يربط له فم الوحش عنه"، والوحش في سياقنا هو القاضي الذي ينظر للمرة الثالثة في قضيّة مرفوعة أمامه ضدّ حسّان.

حسّان كان من الأوائل إن لم يكن الأول الذي حصل على التعليم في القرية وكان من أول المعلمين في القرية والناس تعرفه ب-"المعلم" لدرجة أن بعض طلابه لم يعرفوا اسمه ولم تكن بهم حاجة لذلك يوما، فيكفي أن تقول: "المعلّم" ليعرف الكل أن الحديث يدور عن حسّان.

وما هي إلا سنين قليلة حتى تقاعد المدير ابن القرية الجارة إذ كانت القرية استوردت كل معلميها من القرى المجاورة، وتسنّم حسّان إدارة المدرسة، وتماما في الأيام التي كان فيها أهلنا يردّون على العقاب الذي يطول أبناءهم من المعلمين، طبعا بقضيب الرّمان الكان يترك الأثر الأحمر أو الأزرق على الأكف وفي الحالات الخاصّة على أسفل القفا: "اذبحُهْ واللحْمات لك والعظمات لنا"، لكن ظلّ حسّان على ألسن أهل البلد "المعلّم" ولم تشفع له الإدارة على أن يرتقي كذلك بالاسم إلا بعد زمن طويل ولكن فقط على لسان الجيل الجديد، فالنسبة للأقدم ظلّ "المعلم"، وحتى أبوته التي جاءته ببكره راشد لم تقو عليها، رغم أن المناداة على الأب باسم نجله تُعتبر في القرية من علامات الاحترام.

تغيّرت الأحوال ماتت أجيال وولدت أجيال، وصار هنالك بريد الكتروني وفيس بوك وآيفون، وأصحاب "اللحمات لك والعظمات لنا" صاروا آباء، وأبناؤهم صاروا تلاميذ عند "المعلم" أو "المدير" والذي كبر كذلك كرشه وابيض ما تبقى من شعر رأسه، وتطورت أساليب التربية ومن علاماتها المهمّة أن صار الابن ينادي أباه باسمه "حاف" بعد أن كان يقبّل يده صبح مساء، وكلّ ذلك وغيره الكثير استورده الآباء الجدد من زملائهم اليهود في العمل، أولئك المتحضرين الآتين من الغرب متناسين المقولة الأخرى المعمّرة: "ما جاءنا من الغرب شيء يسر القلب".

وهنا وحتى نعدل مع المدير، فتطور أساليب التربية عند الأهل كان تقليدا أعمى و-"طق حنك"، يعني الآباء الجدد يشبعون أبناءهم قمعا وهم المقموعون جسدا وذهنا، ولكن ما يحق لهم لا يحق للمدير أو لأي معلّم، حتى تمرّد الطلاب على معلميهم وصاروا يتطاولون عليهم، وراحت في قفا كلب المقولة: "من علّمني حرفا كنت له عبدا"، وكثرت الشكاوى على المعلمين "عطّال بطّال" وصارت المقولة السائدة عند المعلمين وإذ يطفح الكيل: "تتعلم واللا لكندرتي!" وإن "زوّطها" الولد فجلّ ما في يده: "انقلع لعند المدير!" زائحا المسؤولية عن عاتقه دابّا إياه في ظهر المدير.

المدير حسّان شارك ملزما في الكثير من دورات تكملة في التربية الحديثة، لكن ظلّت بالنسبة له طريقة "اللّحمات لك والعظمات لنا" هي الأمثل، واسأل مجرّب ولا تسأل حكيم، وكان يعزّي نفسه إذ يُغصب على الاشتراك في الدورات بالزيادة التي تُضاف على الراتب ولو أنها قليلة ولا تساوي تعب الدورات، أما قضيّة تطبيق النظريّات التي تعلمها في دورات التأهيل غصبا عن شاربه فهذه مسألة أخرى، وظلّت عنده عداوة بالفطرة لها و-"يده والكف" ظلّت سيّدة الموقف.

لم يطّل الوقت حتى أكل المدير أول شكوى، وبلا طول سيرة، امتثل للمحاكمة ولأول مرّة في حياته متهما باستعمال العنف ضدّ أحد طلابه، ورزقه الله بمحام استطاع أن "يطلعه من الورطة مثل الشعرة من العجين" ولكن بجهد كبير وليس قبل أن يسلخ منه راتب شهرين أجرا.

راحت الأيام وجاءت الأيام وطلع طبعه يوما على تلميذ "مدلّل أمه" بعد أن كاد يفقع من كثرة زياراته له وكل مرّة من عند معلم، فعاد لقضيب الرمان الذي ما زال في خزانته وإن طالت كثيرا أيام بطالته، فأشغله على قفا التلميذ، وإن كان بتهيّب لم يعتد عليه خوف الشكوى.

خانه القضيب وازرقت قفا الولد وقبل أن تشفى قفاه من آثار قضيب الرّمان كان يخضع المدير للتحقيق وفي يد المحققين "سِكْ رابور" من دكتور عمل من الحبّة قبّة، ولم تطُل المدّة حتى كان المدير يمتثل ثانية للمحاكمة وهذه المرّة عند نفس القاضي، ومرّة أخرى استطاع محاميه وهذه المرّة بأجرة تساوي ثلاثة رواتب، أن يصل مع النيابة لصفقة قبل القاضي مسوغاتها لحسن حظّ المدير.

لم تدُر الأيام كثيرا وإذا المدير ونفس محاميه أمام نفس القاضي، فبادرهما القاضي ودون مقدّمات: "هذه المرّة لا صفقات ولا خلافه، سأسمع القضيّة حتى النهاية، أريد أن أكتشف الحقيقة".

الحق يُقال أن المدير خاف هذه المرّة كثيرا، فلم يطمئن لنظرات القاضي إليه وهو يشهد أمامه، وأكثر إلى حركاته وهو يستمع لشهادة الطالب، وحدّد القاضي موعدا للنطق بالحكم بعد أن انتهى من سماع الشهود، وخصوصا أنه في هذه المرّة كان قد أخذ من الطالب "اللحمات والعظمات" ضاربا بعرض الحائط كل نظريّات التربية الحديثة التي تلقنها في الكثير من الدورات، وكانت لم تتبق أمامه إلا سنوات قليلة على التقاعد، وشعر أن تعب عمره على كفّ عفريت.

من زمان قلّت الأبقار والماعز من ربوع البلد، وقلّت الوحوش الضارية وبالذات الذئاب من براري البلد، اللهم إلا الخنازير التي زادت بشكل كبير وعلى ذمّة "اللي ما يحبوا الحكومة" على لسان أهل البلد، زرعتها هذه لتخريب مزروعات الذين ما زالوا متمسكين بأراضيهم. ومع القلة هذه، نسي معظم الناس الوحوش وربط أفواهها ونسوا كذلك السكاكين الترشحانيّة ذات المقابض المصنوعة من شواهين الحيوانات، والتي بواسطتها كانت تُربط أفواه الوحوش.

والمعنى، فللمَعَزّة التي كانت تحظى بها الدواب على أنواعها عند أهل البلد خصوصا الحلوب عندهم، كان إذا حدث ولم تعُد مع القطيع من المراعي بقرة أو عنزة لطاريء طرأ لها خلال النهار، والطواريء كثيرة في براري البلد من لدغة أفعى إلى سقوط في هوّة أو علقة في علّيقة، آمنوا حتى قاع قلوبهم أن ما من منقذ لها من أنياب ضواري البر وخصوصا الذئاب، إلا أن يربطوا أفواهها عنها.

وكان الطقس يتم بأن يحضروا سكينا ترشحانيّة للشيخ نظيفة حادّة النصل، يقبض هذا على نصلها بيد وبالأخرى على المقبض ويروح يتلو "بين سرّه وخالقه" طبعا، ممّا تيسر له، ولا يفوته طبعا خلال ذلك الإتيان بحركات غريبة في قسمات وجهه ورأسه وأكتافه ويديه تعطي الطقس هالة خاصّة، ثمّ يطبق السكين ويسلمها لصاحب الدابّة منبهّا إياه ألا تُفتح، وليس قبل أن يكون دسّ في جيبه ما لا يقل عن قيمة حليب شهر تدرّه الدابة إن كانت درّارة، وبهذا تكون قد رُبطت أفواه الضواري عن الدابّة الضائعة وستعود في الغداة سالمة غانمة، أو ما اصطلح على تسميته عند أهل البلد "ربط فم الوحش عنها".

وإن عادت الدابّة سالمة أو وُجدت فيعود الفضل للشيخ والسكين طبعا، وإن حصل ولاقت حتفها نفوقا أو أولمتها الضواري أو ضاعت آثارها فليس "التوك" في الشيخ و-"ربط فم الوحش" ولا يمكن أن يكون، ويجدوا لذلك ألف سبب وسبب، كنسيان صاحب الدابّة إحدى صفاتها حين أعطى الصفات للشيخ، أو عدم الدقّة في وصفها، ملحاء كانت أم كحلاء أو برشاء فاتحة اللون أو غامقة اللون، أو أن في السكّين كان "توك" ولا تخلو الجعبة من كثير غيرها من الأسباب، المهم أن "التوك" لا يمكن أن يكون في الشيخ وتلاوته.

المدير الذي ظلّ على عداوة مع الانترنيت والفيس بوك والآيفون وأسس التربيّة الحديثة، ظلّ كذلك على صداقة حميمة مع ما كلّ أتى ويؤتي به شيخ البلد، وبما أن "ربط فم الوحش" يسري كذلك الآدميين وليس فقط على الوحوش، فعاش يومه التالي للمحاكمة في انتظار نهاية الدوام على أحر من الجمر وما أن دقّ "جرس الحلّة" حتى كان يطوي الطريق طيّا إلى بيت الشيخ.

لكن معضلة غير منتظرة لم تخطر على باله، فكي يربط الشيخ فم الوحش أو القاضي في سياقنا كان بحاجة لاسم أمّه وليس بأقل من ثمان وأربعين ساعة قبل موعد النطق بالحكم، وكان على المحامي أن يجلب اسم الأم فهذه من واجباته ومهامّه، فأسقط في يده، ليس قبل أن يضحك مثلما لم يضحك من مدّة وهو يحسب أن المدير "عمّال يْطَقّس" وإذا بالمدير جدّي كل الجدّ، وأمام إصرار المدير أن هذه من مهامه كموكله، وخلاصا لنفسه من هكذا ورطة، وعده خيرا.

قبل اقتراب المدّة المطلوبة كان هاتف المحامي يرنّ تباعا، وبحكم التخنولوجيّة الحديثة عرف من المتصل وعرف الغرض فردّ وزوّد المدير بأول اسم عبريّ لامرأة خطر على باله حينها.

أكلها المدير حكما من قاع الدست، ورغم ذلك ما أشغله أكثر هو كيف لم يرتبط عنه فم الوحش، وأول عمل قام به حين عاد إلى البيت هو أن هرول إلى الخزانة يتفحّص السكين فكانت على حالها تماما كما جاء بها من عند الشيخ، فعزا ذلك إلى الخطأ الذي اكتشفه وكان أقرب إلى عقله، واستقر على أن الثمانية وأربعين ساعة التي حددها الشيخ كان يجب أن تبدأ ليس قبل موعد النطق بالحكم وإنما قبل كتابة الحكم وهذا ما كان ليعرفه، فتنفس الصعداء مسلّما في النتيجة.

لكن ما ظلّ لا يعرفه، أن المحامي قصّر في واجبه ولم يستطع التحري عن اسم أم القاضي الحقيقي والاسم الذي أعطاه إياه كان من عنديّاته. إن قرأ المدير هذه القصّة فلن يحسد أحد المحامي على الوضع الذي سيكون فيه... والله يُستر!

سعيد نفاع [email protected]

16 شباط 2015

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]