"أنا مضطرٌّ للاستئذان منكم والمغادرة فورًا، فقد اقترب الموعد!" - قال صديقنا، وغادر المكان عَجِلًا.

استغربتُ أمرَ الصّديق، واستفسرت سببَ مغادرته الفُجائيّ.

ابتسم صديق آخر، وقال ضاحِكًا: "ألا تعلم أنّ عقرَبَيْ السّاعة أوشَكا أن يُعلنا عن الحادية عشرة؟! لذا أوشكَ صاحبنا على المغادرة."

سألته: "وَلِمَ الحادية عشرة، تحديدًا؟"

"موعد "باب الحارة"." – أجابني.

فاجأني جوابُه؛ لم أتوقّع من صديق يدّعي "الثّقافة" أن يغادر المجلسَ لسبب إدمانه على مسلسل أتفه من التّافه(!).

ولإشباع فضولي، ففي اللّيلة التّالية، وتحديدًا في الحادية عشرة، تسمّرتُ في مكاني، قُبالة الشّاشة الفضيّة لأشاهد حلقة من حلقات الجزء المليون – أقصد السّابع – من مسلسل "باب الحارة" الّذي أشغل، وما زال يُشغل، عشرات الملايين بل مئات الملايين من العرب المُدمِنين!

لأكتشف خلال هذه الحلقة - إضافة إلى عددٍ ضئيلٍ جدًا من حلقات الأجزاء الأولى، الّتي تسنّت لي رؤيتها لمعرفة شغف الملايين بمسلسل "باب الحارة"؛ كانت كافية ووافية لأستشفّ أنّ المسلسل يحتقر المرأة ويُهين كرامتها ويُدنّس رسالتها ويستخفّ بها ويُشعل الفتن بين أبناء حارات الشّعب الواحد - أنّ جزأه السّابع يفتقد الأبعادَ السّياسيّة والوطنيّة، أيضًا، ما يجعله أتفه من أسلافه التّافهين!

وفي خِضمّ سوق المسلسلات الرّمضانيّة - الدرّاميّة منها والكوميديّة - المتأرجحة ما بين الهابطة والرّديئة والجيّدة؛ يهلّ علينا "باب الحارة"، كلّما هلّ رمضان، ويأتينا في جزئه السّابع ليتاجر بعقولنا وثقافتنا؛ فيُعيدنا – مُجدّدًا - إلى عصر الجهل والتّخلّف والتّقهقر الفكريّ. حيث ما زال يلعب هذا المسلسل دورًا سلبيّـًا وسيّئًا جدًا في صقل وبلورة فكر وشخصيّة المتلقّي في مجتمعنا الرّاهن، هذا المجتمع المريض والمُهتَرئ والمُتآكل أساسًا.

حيث تجتمع عائلاتنا العربيّة في شهر رمضان على موائد الإفطار، ومن ثمّ تتسمّر غالبيّتها العظمى أمام الشّاشات لمشاهدة المسلسلات الرّمضانيّة المختلفة، وفي مقدّمتها المسلسل المتخلّف "باب الحارة"، هذا المسلسل السّطحيّ التّافه، الّذي لا يساهم في ترسيخ التّكافل المجتمعيّ والأسريّ – كما يدّعوون - بل في تفريق المجتمع وشرذمته وزعزعة الرّوابط الأسريّة!

يشرّع هذا المسلسل "العظيم" (معبود مئات الملايين) تسلّط الرّجال على النّساء؛ انصياع المرأة الأعمى وخنوعها التّام لزوجها؛ ضرب الزّوجة ومعاقبتها لأتفه الأسباب؛ سيطرة الذّكر القويّ على الأنثى الضّعيفة؛ تعدّد الزّوجات - إمّا لإشباع الغريزة الجنسيّة الذكريّة أو لإرضاء الوالدة أو لهدف إنجاب الذّكر فقط؛ يكرّس "أدبيّات" التّخلّف جميعها معًا، ويحثّ على النّزاعات والخلافات والفتن، لا المصالحات والوحدة.

يعيدنا "باب الحارة" إلى ماضٍ متخلّف، إلى مئات السّنين، إلى عصر بعيد عن عالمنا وعصرنا الحاليّ. صحيح أنّه يتحدّث عن حِقَب زمنيّة معيّنة، إلّا أنّ مجتمعنا يتقهقر نحوها كالقطيع، ويخنع لأفكار وعقول وتصرّفات أفراد مجتمعات تلك الحِقب الزمنيّة..! وللأسف، هذا ما نشهده مؤخّرًا، من جرّاء إدمان أفراد مجتمعنا، كبارًا وصغارًا، نساءً ورجالًا، على مثل هذه الأعمال المتخلّفة الّتي تعيدنا إلى الوراء.. فبدل أن نهرب منها إلى واقع أفضل نلجأ إليها هاربين من واقعنا!

وطالما يتسمّر أفراد مجتمعنا ليليّـًا في شهر رمضان – النّساء منهم قبل الرّجال – الابنة والابن، الأخت والأخ، الزّوجة والزّوج، الأم والأب، لمشاهدة مسلسل "باب الحارة" بتخلّفه وخلافاته، بنازعه ونزاعاته، بتحقيره وإهانته واستغلاله للمرأة، بتعزيزه التّخلّف الفكريّ والثّقافيّ، باستخدامه "لغة" التّهديد والوعيد والعنف؛ نشرّع بذلك المسلسل..

لذا فلا عجبَ أن نشهد يوميّـًا نزاعات وخلافات وصراعات، وعمليّات طعن وقتل بين أبناء الشّعب الواحد، وتحقير وإهانة الأخت والزّوجة والابنة والأمّ، وقتلها بحُجّة ما يسمّى "شرف العائلة"؛ وغيرها من مخلّفات وتخلّفات "باب الحارة" ومجتمعنا.

وفي كلّ عام – بخلاف باقي المجتمعات – يزداد حِقدُنا وعنفُنا وجُهلُنا، وتقهقرنا الفكريّ والثّقافيّ والتّربويّ والأخلاقيّ وتندثر الرّوابط والقيم المجتمعيّة..!

فها هي السّاعة الحادية عشرة تدقّ من جديد، لتُعلن عن الموعد، وتذكّرنا بجهلنا وغبائنا وتخلّفنا!

(*) الكاتب صحافيّ حيفاويّ، مدير تحرير صحيفة "حيفا"

 

أحببت الخبر ؟ شارك اصحابك
استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]