استضاف مركَز «الكرمل» (مركَز ثقافيّ أكاديميّ حقوقيّ)، يوم الاثنين الماضي، في تمام الساعة السابعة مساءً، ندوة أدبيّة تحت عُنوان «الأدب العربيّ الراهن وترجمته إلى اللّغة الإنچليزيّة»، بدعوة من مكتبة «كلّ شيء» لصاحبها صالح عبّاسي، ومركَز «مساواة»، وجمعيّة التوجيه الدراسيّ للطلبة العرب، احتفاءً بالكاتب والناشر العراقيّ الآشوريّ صموئيل شمعون.

وقد حضر الأمسيّة الثقافيّة الأدبيّة لفيف من الأدباء والصِّحافيّين والكتّاب والمثقّفين، نذكر من بينهم: الپروفسور سليمان جبران، الكاتب سلمان ناطور، الشاعر مروان مخّول، الشاعر رشدي الماضي، الإذاعيّ نايف خوري، د. منير توما، الشاعر سليم مخّولي، والشاعر نزيه حسّون، وغيرهم..

افتتح الندوة الشاعر رشدي الماضي، مرحّبًا بالحضور، قائلًا: «حيفا - كما تُعرف بمختلف أطيافها وشرائحها - بلد مضياف. فشكرًا لحيفا التي تنتقي ضيوفها من كوكبة مَن تحبّ. ومن يُصغِ إلى همس حيفا في هذا المساء يسمع صوتها تقول: أهلًا وسهلًا بالكاتب والمترجم والناشر، أهلًا وسهلًا بك مطر خير وخصوبة وبركة. وشكرًا لصاحب دار الكتاب العربيّ «كلّ شيء»، صالح عبّاسي، الّذي أبى إلّا أن يستضيف الكاتب الكبير لنلتقيَه وجهًا لوجه في ملتقًى ثقافيّ. وشكرًا لمركَز "الكرمل" بكلّ مؤسّساته، شكرًا لجعفر فرح الّذي جعل من «مساواة» صرحًا تربويًّا. أمّا الشكر الكبير فهو لكم أحبّتي على حضوركم هذه الأمسيّة».

مشروع ثقافيّ

وأضاف: «ضيفنا الغالي مشروع ثقافيّ.. فهو حريص على أن يترجم نثرنا وشعرنا وأدبنا وتراثنا إلى لغات أخرى، ثمّ ترويجه عبر وسائل النشر المختلفة، كـ«الإنترنت» وغيرها؛ إيمانًا منه بضرورة أن يعرف أهل الثقافات بعضهم بعضًا معرفةً ندّيّة. فأهلًا وسهلًا بك بين أسرتك في حيفا».
أمّا الشاعرة آمال رضوان - عوّاد فقد عرّفت بنبذة قصيرة بصموئيل شمعون، الكاتب والمترجم والروائيّ العراقيّ الآشوريّ، ومحرّر وناشر مجلة «بانيپال» الإنچليزيّة، وصاحب الموقع الإلكترونيّ المميّز - «كيكا» الزاخر بالآداب العربيّة والترجمات؛ ابن عائلة مسيحيّة يتيمة فقيرة، لم تكن تملك ثمن كتاب واحد، ويُعدّ، اليوم، واحدًا من أهمّ الكتّاب والروائيّين! فعام 2005 صدرت روايته الأولى بعُنوان «عراقي في پاريس»، الّتي أحدثت ضجّة بنجاحها وتُرجمت إلى لغات عديدة. فكانت أكثر الروايات العربيّة جرأة وكشفًا للحقيقة.

سيرة روائيّة

فقالت: ««عراقي في پاريس» سيرة ذاتيّة بكلّ معنى الكلمة، وهي رواية أيضًا، أي سيرة روائيّة. ومَن يقرأ الرواية، يجد أنّها تنقسم إلى ثلاثة أقسام. فلم يشأ الكاتب اتّباع التسلسل الزمنيّ ("الكرونولوجيّ") في تتبّع حياة بطل الرواية، بل جعلها تبدأ بفلاش طويل أكثر من ثلاثين صفحة شكّلت القسم الأوّل من الرواية تحت عُنوان «الطريق إلى هوليوود»، حيث نفهم من السطور الأخيرة لهذا القسم، أنّ «البطل» كان يجلس أمام موظّف اللجوء السياسيّ في پاريس، وكان يحدّثه عن كيفيّة خروجه من بلده حتّى وصوله إلى پاريس. ونرى في القسم الثاني - ونعيش - تشرّد هذا البطل في شوارع وحانات پاريس، حالمًا بإنجاز فيلم سينمائيّ عن أبيه الفرّان الأخرس الأطرش.. إلخ؛ وبدلًا من إنجاز هذا الفيلم، نرى البطل - في آخر الرواية - يلجأ إلى منزل مهجور ليكتب رواية قصيرة تشكّل القسم الثالث من الكتاب، وهي بعُنوان «البائع المتجوّل والسينما» وهي رواية سنوات الطفولة واكتشاف السينما».

نثمّن جرأتك

واختتمت آمال حديثها، قائلةً: «أهلًا وسهلًا بك في فِلَسطين وبين إخوتك الفِلَسطينيّين، نثمّن جرأتك بأنّك تحدّيت ورفضت فكرة المثقّفين العرب والعراقيّين بمقاطعة العرب فِلَسطينيّي الداخل، لأنّهم يخشون ختم الدولة الإسرائيليّة على جواز سفرهم. ونحن لَم نختر - وليس ذنبنا - أن نولد فوق أرضنا وتحت الاحتلال، ونعلم أنّ الاتّحادات الثقافيّة والصِّحافيّة وغيرها ستقاطعك وستشنّ حربًا عليك، لكنّك كنت جريئًا وحضرت بيننا.. فأهلًا وسهلًا مجدّدًا».

كاتب مميّز جدًا

ثمّ أدار الندوة الشاعر المتميّز مروان مخّول؛ وقد ذكر مخوّل، بدايةً، المصاعب التي واجهها صموئيل شمعون، والمعاناة التي عاشها منذ طفولته، وتشرّده في الشوارع، وتنقّلاته حتّى وصوله پاريس ثمّ لندن. وهذا - على حدّ قوله - جعله في المحصّلة كاتبًا مميّزًا جدًّا.
وقد عبّر صموئيل، بدايةً، عن مدى سروره و«تلبّكه» - في الوقت ذاته - لوجوده بيننا، بين الفِلَسطينيّين الّذين أحبّهم ويحبّهم، وشكر صالح عبّاسي (صاحب مكتبة ودار النشر «كلّ شيء») على استضافته في مركَز «الكرمل». وأكّد أنّه شخص عاديّ جدًّا، ولكنّه يشعر بفخر كبير لدى رؤيته هذه الشريحة الهامّة من الحضور الّتي أتت خصوصًا لسماعه وملاقاته.

القرآن الكريم كان أوّل كتاب عرفته!

يروي شمعون قصّة طفولته ويذكّرنا بأبيه اليتيم الّذي كان أصمَّ وأبكَمَ (أطرشَ وأخرسَ)، وقد استطاع، طفلًا، خلال الحرب (1914) أن يهرب من الأكراد ويلجأ إلى الجبال مختبئًا، ليُصبحَ - بعد سنوات عديدة - هذا الطفل أباه. وقال صموئيل: وُلدت لهذا الطفل اليتيم الذي تعرّف إلى يتيمة أيضًا. وُلدت ليتيميْن فقيريْن جدًّا لم يملكا كتابًا واحدًا في البيت. وكان لدينا جيران من الفرس (الإيرانيّين) الشيعة لديهم كتاب واحد، هو القرآن الكريم، موجود على رفّ.. وكان هذا هو أوّل كتاب عرفته، ومنه تعلّمت القراءة والكتابة.

وأضاف شمعون: «إنْ أصبحت، اليوم، مُبدعًا أو كاتبًا أو شخصًا خيّرًا، فيعود الفضل في ذلك إلى الفِلَسطينيّين؛ فعندما تركت العراق وأنا في الواحدة والعشرين من عمري، كنت أحلم بأن أصل «هوليوود» وأعمل في السينما.. وصلت سورية، وفي سورية قاموا بتعذيبي بشكل وحشيّ وحقير، لا يُمكنني وصفه، باعتبار أنّني جاسوس يهوديّ أحمل اسم صموئيل شمعون، وبعد أن اكتشفوا أننّي لست جاسوسًا أُطلق سراحي. واليوم، أنا من أكثر الكتّاب المحبوبين في سورية. ثمّ عُذّبت في الأردن بشكل حقير، أيضًا، وحصلت معي أمور مشابهة في عدّة بلدان عربيّة، إلى أن وصلت إلى لبنان وعملت مع منظمّة التحرير الفِلَسطينيّة في بيروت. مع الفِلَسطينيّين في لبنان أصبحت شخصًا آخر، بدأت أقرأ الصحف والكتب. تغيّر وعييّ؛ فعرفت - من خلالهم - أنّ هناك شعبًا تحت الاحتلال، شعبًا مشرّدًا؛ حيث كنت شابًّا يريد أن يصل إلى «هوليوود»، ولم أكن أعرف شيئًا عن العالم العربيّ، تقريبًا. مع الفِلَسطينيّين كلّ شيء تغيّر.. فأنا مَدين لكم بذلك. تعلّمت الكثير من الفِلَسطينيّين، ثقافيًّا وتربويًّا».

تعلّمت من الفِلَسطينيّين!

واستطرد، قائلًا: «أنا مسرور جدًّا لأنّي بينكم. أنا إنسان بلا دين، لا عنصريّ، إنسان «يونڤيرساليّ» (عالميّ) ليست لديّ أيّ تعصّبات أو مشاكل مع الألوان، وكلّ هذا تعلّمته من الفِلَسطينيّين؛ فالفِلَسطينيّ مثقّف، واعٍ، ورائع. لم يشعرني - في أيّ يوم من الأيّام - أيّّ فِلَسطينيّ بأنّني أنتمي إلى مذهب أو طائفة معيّنة أو دين معيّن، فهذا لا تجده لدى الفِلَسطينيّين، كما تجده في باقي الدول العربيّة؛ حيث ينظرون إلى الشخص على أساس دينيّ أو قوميّ».

وهنا أكّد الشاعر مخّول أنّ الشعب الفِلَسطينيّ غير عنصريّ؛ لأنّه شعب مورست عليه العنصريّة بأبشع صورها، شعب مقموع، لذا فهو مناهض للعنصريّة.

وأضاف: «من هذه النقطة تبلور الروائيّ صموئيل شمعون.. وهنا ندخل إلى السيرة الذاتيّة من روايتك «عراقي في پاريس»، فأتت اللّغة عفويّة وقريبة من القارئ، قريبة من لغة الشارع.. فهذه القصة تشعرك بتعاطف كبير مع الكاتب. فهل توافقني الرأي؟».

شمعون: ««عراقي في پاريس» مليئة بالخيال بشكل عجيب. وكثيرًا ما يجد القارئ نفسه معلّقًا بين الواقع والخيال. لقد اعتمدت أسلوبًا سلسًا بسيطًا مُباشرًا في السرد، كما اعتمدت على عدد قليل من المفردات. وعدم وجود «العنتريات» المعتادة في الرواية العربية، هو أحد أهم أسباب نجاح «عراقي في پاريس»، وهذا ما جعل الناس تقول إنّها رواية غير مفتعلة».

وأضاف: «الصدق عنصر أساسيّ جدًّا في العمل. كنت صادقًا في كتابة «عراقي في پاريس»، صادقًا في قول الحكاية، وفي الأسلوب الفنيّ الذي اعتمدته. كما أنّ هناك عوامل أخرى أدّت إلى نجاح الرواية، وهي أنّها اعتمدت على روح التسامح من الصفحة الأولى حتّى الأخيرة، وهذا شيء أساسيّ جدًّا، وهذه الروح - للأسف الشديد - غير موجودة في الرواية العربيّة».

الجرأة وحدها لا تكفي..!

وعن تأثّره بكتّاب عالميّين وتأثير «جحيمه» الشخصيّ في الرواية، قال: «أنا، شخصيًّا، تأثّرت بكتّاب عاشوا وعانوا كثيرًا في حياتهم؛ ففي كتابة «عراقي في پاريس» أردت أن أضع فيه تأثيرات ثلاثة أو أربعة من الكتّاب الّذين أحببتهم جدًّا، وهؤلاء جميعًا عاشوا حياة المنفى والألم والملاحقة والتشرّد والتسكّع، كما عاشوا حياة النعيم بامتياز؛ وهم: ڤيكتور هوچو، هنري ميللر، وسكوت فيتزچيرالد. وكنت أتذكّر - في أثناء الكتابة - الأمريكيّ الراحل جون فانته. وليس صدفة أبدًا أن أذكر أسماء هؤلاء الأربعة في الرواية، قرّرت أن أكتب كتابًا مختلفًا؛ إذ نفتقد التسامح في أدبنا العربيّ المبنيّ على الغطرسة والعنف والماتشو.. فالجرأة وحدَها لا تكفي - على الإطلاق - لكتابة السيرة الذاتيّة».

موقع "كيكا"

وعن «كيكا» قال: «عملت على بناء موقع أدبيّ مميّز؛ بحثت عن نصوصٍ أدبيّة مميّزة وحديثة؛ فليست لديّ رقابة، إذ ستجد كلّ أنواع الكتابة. في العالم العربيّ الكثير من النصوص الدينيّة، وأنا لا أحبّذ ذلك، فالموقع أدبيّ يحوي نصوصًا وترجمات وكتابات خاصّة. والموقع نجح - ويعدّ من أفضل المواقع أدبيًّا - بفضل علاقاتي الشخصيّة الواسعة، أيضًا، من دون أدنى شك. فأصدقائي: محمود درويش، أدونيس، سعدي يوسف، وغيرهم الكثيرون، ساهموا في إنجاح الموقع وإثرائه».

مجلّة «بانيپال»

ثمّ تحدّث عن مجلة «بانيپال» ومدى انتشارها والإقبال عليها، لهدف تعرّف الغرب ثقافتنا وأدبنا العربيّ. فقد قرّر أن يصدر مجلة «بانيپال» قبل نحو عقد من الزمن، ليختار نصوصًا أدبيّة ومقالات وغيرها من ثقافتنا العربيّة ليعرضها بأسلوبه وبطريقة تفكيره على العالم الغربيّ. فالغرب لم يكن يعرف كثيرًا عن أدبنا العربيّ إلّا نخبة من الكتّاب المشاهير، فقط؛ فليست هناك ترجمات، تقريبًا، للأدب العربيّ إلى اللّغات الأخرى.

وقال: «إنّ عملي كمحرّر في مجلة «بانيپال» الّتي تُعنى بترجمة الأدب العربيّ إلى الإنچليزيّة، يجعلني أتابع صدور الروايات العربيّة الجديدة. ويُمكنني القول إنّ الرواية العربيّة تحقق نجاحات كبيرة على صعيديِ الشكل والمضمون. ولا بدّ أن أشير إلى الشباب بالخصوص».

وأكّد شمعون على أنّ مجلة «بانيپال» - والتي اعتنت بأعداد خاصّة؛ كعدد عن أدونيس، أو عن الأدب الليبيّ، أو اليمانيّ، وغيرها - تصدر من دون أيّ مساعدات من أيّ منظّمات أو دول عربيّة. وأشار إلى أنّ الأدب العربيّ مطلوب بشكل كبير في العالم الغربيّ.

ونوّه كذلك بأنّه ليست هناك أيّ مؤسّسة داعمة لترجمة الأدب العربيّ إلى اللّغات الأخرى، علمًا أنّ لدى الغرب مؤسّسات تُعنى بترجمة أدبهم إلى العربيّة، مثلًا.

هذا وأكّد الحضور - خلال نقاشهم - على عدم الإقبال على قراءة الكتب في عالمنا العربيّ، وأنّ كبار الأدباء قد يطبعون كتبهم بألفَي نسخة، فقط. وفُتح باب النقاش والأسئلة أمام الحضور خلال الأمسيّة الأدبيّة الشيّقة.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]