أُقيمت فريضة شعائر خطبة وصلاة الجمعة الثانية من شهر رمضان المبارك الكريم في جامع عمر المختار يافة الناصرة بحضور حشد من البلدة والمنطقة، وقد إستهلها القارئ الشيخ سليم خلايلة بتلاوة آيات عطرة من الذكر الحكيم بصوته الشجي على مسامع المصلين مع الصلاة على النبي مما زاد أجواء إيمانية روحانية وخشوع.

وبعد الآذان الثاني ألقى الخطبة الشيخ موفق شاهين إمام وخطيب الجامع وإفتتحها بحمد الله سبحانه وتعالى والشهادة به وبالرسول الكريم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: "ها هو رمضان قد مضينا بأنواره في الأيام التي مضت، رمضان الذي رتب أوراقنا غير مسيرة حياتنا نظمنا نظفنا أدبنا هذب أخلاقنا سلوكنا في هذا الثلث الأول منه الذي سماه النبي كما قال في الحديث الصحيح (إن رمضان أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار)، هذا الثلث الأول ثلث الرحمة الذي ينبغي أن تتسم معالمها في سلوكياتنا في أقوالنا أفعالنا تعاملاتنا".

متسائلًا فضيلته أسئلة كثيرة متشعبة وهي: هل لامسنا الرحمة حقيقة فيما بيننا؟، هل رأينا معاني الرحمة في سلوكياتنا؟، هل تأصلت تلك الرحمة التي ينبغي أن تكون فينا وبيننا وعلينا وتظللنا أنوارها هل عشناها؟، هل تم الصيام عن الجفوة وحل ما حلها الطيب واللين والرفق؟، هل تم الصيام عن القسوة فحل ما حلها المودة والتعاون والشفقة على الآخرين؟، هل تم الصيام في هذا الثلث الأول عن قطيعة الأرحام والإفضال على وصلها وصلتها وحظوتها والتقرب إليها؟، هل تم الصيام عن الغيبة وحل ما حلها ذكر الله والصلاة على رسول الله؟ هل معنى الرحمة تجلى في الذات؟، وحث على تذويت تلك الصفات بحيث إذا نظر مسلم أو غير مسلم لمس معاني الرحمة.

ولفت عندما مدح الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام قال له ((وإنك لعلى خلق عظيم)) ثم مدحه بصفة إنسانية مطلقة لا علاقة لها بالدين، وأن يكون الإنسان إنسانًا إذا توفرت معاني الإنسانية لا بد أن يكون رحيمًا لذلك الله مدح النبي قال ((وما أرسلناك إلا رحمة)) ثم جعلها عامة ((للعالمين)) الإنس والجن الملك والملكوت الغيب والشهادة الظاهر والباطن كل ما خلق الله حتى الملائكة كان النبي بها رحيمًا حتى الشجر والحجر حتى الكافر المؤمن العدو والصديق المريض والبعيد الكبير والصغير الذكر والأُنثى جميعهم تمتعوا برحمة النبي عليه الصلاة والسلام.

وأشار إلى كبير المنافقين في المدينة عبد الله بن أبي سلول الذي وصل النبي وإبنه كان من الصحابة والنبي لم يقطع رأسه بل إحتضنه وقال له (لا عليك ما بعثت لعانًا ولا قطاعًا) وإعتبر المنافق من أصحابه وبين رحمة النبي التي نفتقدها وأن نستنشق عبيرها وأن يرحم بعضنا بعضًا ليس على مستوى ضيق بل على مستوى الأُمة التي أوغلت في بعضها البعض، وذكر أن الإسلام دين الحب الرحمة والمودة الشفقة على خلق الله كافة العدو قبل الصديق الموالي قبل المعادي وإذا كانت هذه الصورة الحقيقية لأُمة الرحمة سوف تصل إلى الدارين وإذا كانت الصورة عكسية هيهات.

وأوضح أن الصيام يأتي ليطهر هذا القلب القاسي ليرطبه من جفوته تمامًا كالأرض التي تتشقق من شدة إشتياقها إلى الغيث فإذا أنزلنا عليها الماء إهتزت وربت فرحًا بالماء أينعت أورقت أشرقت تفتحت، هكذا القلب، أن يمطر رمضان شبائب الرحمة على صحراء القلب فتخضر والصيام ليس جوع أكل وشرب هذا معنى صوري.

وتابع: "تبقى ثلثان من رمضان يقبل الآن علينا على وشك الثلث الثاني ثلث المغفرة تهيئة النفوس المسامحة العفو الجزاء من جنس العمل، ميزان ((والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان)) وفي نص القرآن الكريم في سورة البقرة ((وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله))، إذا تصدقت بمال أو بكلمة طيبة أو بصلة رحم أو الإصلاح بين الناس هذا ليس منة لأحد بل لخزينة الإنسان ويقف بين يد الله وحده وتأتي الخزينة يقول الله ((إقرأ كتابك)) كنت أعمل صالح أصل الرحم أُسامح من إعتدى لين الكلام أُحب الناس أعطف على الفقراء أكون في حاجة أخي أُشفق على الإنسانية كلها عندئذ يقول لك (تفضل أشفقت يشفق عليك أكرمت تكرم سامحت تسامح) أنت لست أكرم من الله".

وإستعرض مغفرة الله سبحانه وتعالى بحديث رجل يؤتى يوم القيامة فتنصب له الموازين فترجح كفة السيئات فيحتاج إلى حسنة ترجح كفة السيئات، الرجل يسأل الناس يريد حسنة ويوجد رجل جميع أعماله سيئة من أهل النار وعمل حسنة من غير قصد وحسبت له أعطاها للرجل ويسمعه الله فيقول له (يا عبدي أتجود على عبدي فلان وأنا الجواد الكريم لا كريم في هذا اليوم إلا أنا خذ صاحبك وإدخل به الجنة فقد غفرت لكما)، وحديث في الأثر تلقى الأُم ولدها يوم القيامة تطلب منه حسنة فتقول (أي بني لقد كان بطني لك وعاء وكان حجري لك غطاء وكان ثديي لك سقاء أمعك حسنة يعود على خيرها اليوم؟)، فيقول (هيهات إني أشكوا مما تشكين).

وفي الخطبة الثانية بعد حمد الله سبحانه وتعالى والصلاة والسلام على الرسول الكريم وعلى أصحابه الأبطال الذين غيروا وجه التاريخ والزمان والمكان وصدق فيهم قول الشاعر (سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر)، إختتم: "إفتقدنا تلك الكواكب الذرية لأنهم غيروا وجه الزمان إفتقدناهم لأننا نعيش في ظلمة وظلال وعنهجية الغرب علينا وذل الشرق من المحيط إلى المحيط، إشتقنا إلى تلك البطولة والرجولة لترفع هذا الذل عن الأُمة العربية والإسلامية من النهر إلى النهر لعل الله عز وجل شفقة بالصائمين رحمة بالجائعين أن يحسن حالنا".
ودعا الله سبحانه وتعالى أن يفرج الكرب وييسر الأمر ويوحد الصف ويعز الإسلام والمسلمين وإعلان كلمة الحق والدين.
 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]