بالرغم من ان منظمة التحرير الفلسطينية أوفت بجميع التزاماتها للمعاهدات والاتفاقات وقرارت هيئة الامم، يمر الوضع الفلسطيني في غاية الصعوبة والتعقيد، لأسباب كثيرة أهمها وأساسها الانقسام، وغياب رؤية واضحة المعالم لمجابهة ما يُحاك من مؤامرات لإنهاء المشروع الوطني الفلسطيني، من خلال سياسات وضعتها دولة الاحتلال بشكل مباشر وغير مباشر وتبنتها امريكان وكان آخرها ما أعلنت عنه الولايات المتحدة الامريكية من "صفقة" ادعت أنها الوصفة السحرية لحل الصراع العربي الإسرائيلي على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
إنها صفقة القرن التي كان فاتحتها إغلاق مكتب تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ووقف المساعدات الامريكية عن الأونروا وأيضا عن السلطة الوطنية الفلسطينية، ثم الاعلان عن مدينة القدس عاصمة لدولة الاحتلال ونقل سفارتها إليها، وإعلان الدولة اليهودية، والاعتراف بهضبة الجولان السوري المحتل بأنها جزء من أراضي دولة الاحتلال، وباركت امريكا ودعمت سياسات الاحتلال العنصرية في الأرض الفلسطينية المحتلة والذي أدخلت السلطة الوطنية الفلسطينية في أزمة مالية خانقة تنذر بما هو أسوء نظرا لقيام دولة الاحتلال بخصم قيمة مخصصات الشهداء والأسرى من أموال المقاصة التي تجبيها لصالح السلطة الوطنية وإمتناع الأخيرة عن استلامها رفضا لهذه السرقة العلنية غير القانونية.

جميعنا يُدرك بأن كل هذه الإجراءات هي بهدف الضغط سياسيا على السلطة الوطنية لقبول "الحل" الأمريكي – الإسرائيلي، وتسليم اوراق استسلام وتركيع من هو فلسطيني، وفي مقابل كل ذلك كان لا بد من التحرك باتجاه التقليل من هذا الضغط إلى الحد الأدنى الذي يسمح للسلطة الفلسطينية الابقاء على دورة الحياة العامة والحفاظ على الأمن المجتمعي، ومن ناحية أخرى التمسك بالثوابت الفلسطينية المتمثلة في دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود الرابع من حزيران للعام 1967، وبعاصمتها القدس الشرقية وتنفيذ القرار الأممي رقم 194، من هذا المنطلق كان لا بد من التحرك لتوفير "شبكة أمان مالي داخلية" بمساهمة من القطاع الخاص الفلسطيني ورجال الأعمال في الوطن والشتات بحكم أن جميعنا في خندق واحد والكل مُستَهدف والمشروع الوطني الفلسطيني في خطر لم يسبق له مثيل.
كلنا يدرك بأن أساس القضية هو سياسي وليس اقتصادي وأن الحل لا يمكن أن يكون حلا اقتصاديا كما تريد له دولة الاحتلال ومن خلفها أمريكا، وفلسطين ليست عقارا في مانهاتن ينويورك يتعامل به ترمب واعوانه، لذا عَملتُ ومع بعض الأخوة على إخراج مبادرة أساسها إنهاء الانقسام وتمتين الوضع الداخلي وبالتوازي توفير شبكة أمان مالي داخلية لكي تستطيع السلطة الوطنية الفلسطينية مواجهة الضغوطات، ولكي نؤكد للعام أجمع بأن قضيتنا ليست للبيع وأن الكل الفلسطيني سيقف صفا واحدا في مواجهة المؤامرة المسماة "صفقة القرن".
التقينا مع القيادة الفلسطينية، التي ندعمها ونقف معها في خندق واحد، كما كانت لنا لقاءات في قطاع غزة مع الأخوة في حركة حماس وقيادات الفصائل من داخل وخارج منظمة التحرير الفلسطينية، وأيضا التقينا بالعديد من القيادات السياسية والقوى الوطنية وشخصيات من المجتمع الوطني والفعاليات الاقتصادية في الشتات وفي الداخل الفلسطيني في سبيل الاتفاق على ضرورة توجيه كل تناقضاتنا الداخلية نحو الاحتلال ومن يقف خلفه.
الاخوة جميعا خَرَجنا من هذه اللقاءات والاجتماعات والزيارات والتي شملت أيضا لقاء الوفد الأمني المصري في غزة والسفير المصري في رام الله، بإيمان أن الجميع يتوق إلى الوحدة لأن الجميع يستشعر الخطر المحدق بالقضية، ومن هنا كان لا بد من اتخاذ موقف وترجمته على الأرض لنقف جميعا صفا واحدا في مجابهة المخطط الامريكي- الصهيوني، وبناء عليه تم دعوة الى الاخوان من جميع اطياف وقطاعات الشعب الفلسطيني، وعقد اجتماع في في مدينة رام الله بتاريخ 26/05/2019، للتشاور في مواجهة هذه الضغوط ومساندة القيادة الفلسطينية، وتم اصدار بيان موقف للقطاع الخاص الفلسطيني تضمنرفض أية حلول وإجراءات تتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بإقامة الدولة المستقلة وكاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران للعام 1967 بعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين وفق القرار رقم 194، والتأكيد على رفض كل ما رشح عن ما يسمى بصفقة القرن، ورفض المشاركة بأي شكل كان في ورشة العمل الاقتصادية التي أعلن عن اقامتها في المنامة عاصمة مملكة البحرين.
كما أكد البيان مجددا على تطابق موقف القطاع الخاص الفلسطيني مع موقف منظمة التحرير الفلسطينية ومساندتها في رفض لكل الحلول والمشاريع التي تتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، و/أو تتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. وأكد البيان على أهمية إنهاء الانقسام كركيزة أساسية في استنهاض طاقات الشعب الفلسطيني وترتيب البيت الداخلي على أساس الشراكة السياسية الكاملة، والتوجه نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء الانتخابات العامة.وثمن البيان توجهات الحكومة الفلسطينية المعلنة في خطة المئة يوم لمجابهة التحديات الاقتصادية والمالية القائمة.
كما خرج البيان بقرار تمثل في ضرورة اسناد الحكومة الفلسطينية ماليا من خلال مساهمة القطاع الخاص الفلسطيني في تشكيل شبكة أمان مالي داخلية تساعد الحكومة على الوفاء بالتزاماتها وتساعد على استدامة إدارة الحياة العامة بعيدا عن التمويل الخارجي المشروط الذي يمكن أن يَشكل أحد مصادر الضغط على الموقف الوطني الفلسطيني لتركيعه، مع أهمية العمل على استجلاب الاستثمارات الخارجية سواء من فلسطيني الشتات او من العرب او غيرهم في سبيل دعم وتنمية الاقتصاد الفلسطيني.
وفي ترجمة هذا البيان "المبادرة" على أرض الواقع تم تشكيل لجنة متابعة لصياغة خطة واضحة تشمل الوضع السياسي والاقتصادي والقانوني ملامحها العامة تتلخص في تطبيق ما تم الاتفاق عليه سابقا في القاهرة في العام 2017 لإنهاء الانقسام، وتشكيل حكومة وحدة وطنية والذهاب إلى انتخابات عامة خلال فترة زمنية لا تتجاوز العام الواحد. وبالتوازي تأسيس صندوق لدعم الحكومة الفلسطينية يُضَخُ فيه 100 مليون دولار، ويتم صياغة اتفاقية قانونية تنظم العلاقة بين جميع الأطراف، وبحيث يكون شهر آب القادم كأقصى حد لاجتماع جميع الاطراف المعنية لوضع ما يتم الاتفاق عليه قيد التنفيذ.
ليس لدينا خيارا أخر سوى مجابهة ما يُحاك ضد المشروع الوطني الفلسطيني، ولا شك بأن إنهاء الانقسام وترتيب الوضع الداخلي سياسيا واقتصاديا ليس خيارا وإنما ضرورة وحتمية للخروج مما نحن فيه وكل ذلك يعتمد علينا نحن، فنحن جميعا في خندق واحد ووحدتنا هي سر نجاتنا وتحررنا.
 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]