الشريط الأخباري

الطوطم والميم والتابو وديناميكية الثوابت

محمد سليمان - حيفا
نشر بـ 05/09/2019 15:49 , التعديل الأخير 05/09/2019 15:49
الطوطم والميم والتابو وديناميكية الثوابت

الطوطم والميم والتابو وديناميكية الثوابت
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد :
أضع بين يدي القارئ نموذجاً فكرياً غير تقليدي لاستقراء الواقع السلوكي للمجتمعات والافراد ولتحليل مضمون الوعي
الجمعي والتغيرات الطارئة على أنماط التفكير وعلى مفاهيم الصح والخطأ والمسموح والممنوع والحلال والحرام من
منظور علمي وشرعي وأخلاقي ، وأقصد بالنموذح الغير تقليدي معنى الخروج على نمط التفكير الكلاسيكي لدى
الدعاة والمصلحين والمرشدين الذين يخاطبون البشرية بلغة الدين الصرفة ويتعاملون مع التباين الحضاري والثقافي
وفق فهمهم الجامد للنصوص الشرعية والتي تحمل في طياتها المرونة الكافية لاستيعاب كم كبير من الموروثات
الفكرية المختلفة للحضارات والشعوب ، مما يعطي الدعوة الإسلامية ديناميكية وزخم وقدرة على تطوير اللغة الدعوية
وتوسيع دائرة الدعوة ومخاطبة شريحة أكبر من البشر بما يتناسب مع الواقع ومع قدرة الجمهور استيعاب وفهم مقاصد
الشرع الحنيف دون الخروج على الثوابت الشرعية أو تجاوز سقف الرواسخ الإيمانية ، وأنا أدعي بأن لهذا المنهج
الدور الأساسي فيما سبق من نهضة الأمة الفكرية وتوسعها الجغرافي ، وإثبات قدرتها على إدارة شؤون البلاد والعباد .
إن أول من أسس لمدرسة العقل أو ما بات يعرف بعلم الكلام هو الإمام أبو حنيفة النعمان وتلاه جمع غفير من الفقهاء
والعلماء كأمثال أبي حامد الغزالي وأبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي وابن خلدون وكثيرون لا يتسع المقام لذكرهم ...
لست بصدد التوسع في الحديث عن هذه المدرسة بقدر ما أود تأصيله لمشروعية الاستنباط العقلي للنصوص الفقهية
مع امكانية إضافة لمسة فكرية بالاستشهاد بالتجارب العلمية المعاصرة ومحاولة إسقاطها على الواقع فيما يتناغم
مع روح النص الشرعي ويعزز ما أطرحه من مفاهيم .
الطوطم :
الطوطم أو الطوطمية بمعناه الاصطلاحي هو الرمز أو الأيقونة بمفهومه الوثنني التعبدي لدى الشعوب والقبائل
كالذي كان عند العرب ، هبل واللات والعزى الخ ...
إذن فالطوطم يمثل القدس أو المقدس أو القوة الدينية والروحية الغيبية بحسب ( إيميل دوركايم ) وقدسيته تعود لما
يجسده من القيم الأساسية في حياة الجماعة وإن تعظيمه وإجلاله ما هما إلا امتداداً لإحترام القيم والثوابت السائدة .
الميم :
مصطلح يستخدمه علماء النفس للتعبير عن فكرة أو تصرف أو أسلوب والذي قد ينتقل بالتواتر المعنوي من شخص لآخر
في حواضن مجتمعية بهدف نقل ظاهرة معينة أو أسلوب حياة مختلف أو ممارسات سلوكية جديدة أو مفاهيم مغايرة
للثوابت المجتمعية أو الدينية ، والذي قد ينتقل من عقل إلى آخر من خلال الكتابة أو الحديث أو الإيماءات أو الطقوس
أو أي ظاهرة أخرى قابلة للتقليد يربطها قاسم مشترك . ويعتبر عالم الأحياء التطورية ريتشارد دوكينز في كتابه
"الجين الأناني" أن الميم نظير ثقافي للجينات بحيث أنها تضاعف نفسها وتتغير وتستجيب للضغوطات الانتقائية بل
واقترح اعتبارها كائنات حية لا مجازية .
التابو :
هو مفهوم كل ما يحرم تداوله ومناقشته ونشره والحديث حوله بين عوام المجتمعات على اختلاف الطبقات والمستويات
السياسية والفكرية والعلمية بحسب سيغمون فرويد في كتاب الطوطم والتابو ، والتحريم يندرج ضمن العديد من المسائل
فمنها السياسي في الدول الاستبدادية بحيث يحرم انتقاد السلطة أو الحاكم ، ومنها ما هو عرفي كالحديث عن الأمور
الجنسية في المجتمعات المحافظة .
وعند الربط بين مفهوم الطوطم والميم والطابو نخلص إلى التالي :
إن لكل كيان أو مجتمع أو قبيلة مجوعة من الثوابت الدينية والثقافية والعرفية والأخلاقية السلوكية متفق عليها يفترض ألا تتغير
ولا تتبدل بل تتوارث وتمر من جيل الى اخر بالتواتر المعنوي والعملي ، تعود بغالبها الى المصادر الاساسية للثقافة العامة
ألا وهي الدين والعرف والعادات والتقاليد والطقوس ، والثبات عليها يعود إلى مدى الترابط الثقافي والتعاضد الفكري
وإلى مدى قدرة ترسيخها في الوعي الجمعي ثم إلى مدى استطاعتها التكيف مع المناخات المتغيرة بتغير التطور التكنولوجي
والعلمي والتقدم الهائل والسريع لركب النهضة البشرية ، ومن هنا تنشأ الحاجة الملحة لصناع القرار والمفكرين والأدباء
إلى استحداث مفاهيم جديدة تتوائم مع متطلبات العصر وتواكب التقدم والتطور ، فينتج خليط واسع من الأفكار والاقتراحات
والسلوكيات الطارئة على المجتمعات منها الغث والسمين والجيد النافع والضار المضر ، فمثلاً ما كان يعرف بالمشرق
الاسلامي بات الشرق الأوسط وما كان جزيرة للعرب أصبح الدولة السعودية ، أما الميكافيللية الانتهازية صارت شطارة
وفهلوة والربى المحرم صار فائدة والشذوذ الجنسي صار مثلية والعري والسفور صار حرية شخصية وقائمة طويلة من
آليات حتلنة الوعي الجمعي وسيكولوجية الحشود ، وهنا ينبغي الموازنة بين ما ينع الناس ويجاري متطلبات العصر الحديث
وبين فتات وفضول الأخلاق والسلوكيات ، فسقف الحريات يجب أن يضبته إيقاع الشرع والدين والقيم الأخلاقية والقوانين
وإلا لاستحالت المجتمعات قطيعاً يلهث خلف الملذات والشهوات والرغبات ولأخرجت الشعوب أسوأ ما في داخلها
من غرائز حيوانية يترتب عليها سوكيات همجية بربرية .





أضف تعليق

التعليقات