منذ قيامها، سعت إسرائيل إلى إلغاء الصفة الوطنية للفلسطينيين، وحاربت كل مسعى لتجميع أو إحياء أي كيانية سياسية لهم. في الداخل، تعاملت مع من بقي منهم كأقلية على هامش المجتمع، وعملت على كيِّ وعيهم الجمعي، والسيطرة عليهم بطرق عدّة، منها عزلهم ثقافياً واجتماعياً عن المحيط العربي والفلسطيني، وفرض الخدمة العسكرية على فئات معينة، بهدف دمجهم في المجتمع الإسرائيلي، وتطويع مساراتهم بما ينسجم مع توجهاتها.
بيد أن أهم وأخطر ما قامت به إسرائيل، محاولاتها لتفتيت وحدة المجتمع الفلسطيني، من خلال تفرقتهم والنظر إليهم ليس كمكون واحد، بل عدة مكونات، وتعزيز هذا الشعور لدى الفئات والشرائح الاجتماعية، بجعلها تنظر إلى نفسها كمكون منفصل ومستقل، وإلى بقية المكونات كغرباء، بحيث يكون ولاء وتبعية الجميع للدولة وأنظمتها وثقافتها.
فأخذ الخطاب السياسي والإعلامي يقسّم المجتمع الفلسطيني إلى مجتمعات صغيرة، عبارة عن أقليات متناثرة لا يجمعها رابط قومي واحد: مسلمون، مسيحيون، دروز، شركس، بدو..
وعلى الرغم من متانة وقوة تعبير فلسطينيي الداخل عن انتمائهم للأرض وتمسكهم بهويتهم الوطنية، إلا أن عوامل عديدة ساهمت في التأثير على مكانة وقوة هذا الانتماء، أو على شكله الظاهري على الأقل، وتدريجياً.. منها التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي بدورها عملت على تغيير الأطر والهياكل الاجتماعية التقليدية، جيلاً بعد جيل. وأيضاً التعليم بمناهج تشرف عليها وزارة المعارف، والتأثر بالإعلام الإسرائيلي، وبالحياة السياسية الداخلية، وبالقوانين الإسرائيلية، وتداخل العلاقات الاقتصادية والمصالح الحياتية بين العرب واليهود..
كانت الطائفة الدرزية من أبرز الفئات التي تم استهدافها، والاستفراد بها، وفي أغلب الدراسات التي تناولتها كان يتم التركيز على الجوانب المظلمة والمسيئة لهذه الطائفة، وإهمال أي جانب مشرق ومضيء في تاريخها، عدا الادعاءات والأحكام المسبقة، والاعتماد على معلومات تاريخيّة منقوصة ومجتزأة.. لذا نالها جانب كبير من التشويه.
وما زال الدروز الفلسطينيون يتعرضون لمؤامرة صهيونية تهدف إلى اجتثاث جذورهم العربيّة الفلسطينيّة، وسلخهم عن انتمائهم القومي والوطني، عبر فرض التجنيد الإجباريّ عليهم. ولم يقتصر الأمر على محو تاريخهم كجزء من تاريخ المنطقة، بل اختلاق تاريخ جديد، القصد منه محاولة محو الذاكرة القوميّة الحقيقيّة، وخلق قوميّة هجينة، سمّوها "القوميّة الدرزيّة".
وفي كتابه، "العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ 48"، قدم الصديق "سعيد نفاع" (عضو الكنيست السابق) شرحاً وافياً عن تاريخ وواقع الطائفة الدرزية، مؤكداً أنَّ "الدروز، عرب عرقاً، مسلمون ديناً، شيعة إسماعيليّون مذهباً، أمّا حاضراً فهم أقرب إلى السنّة، متأثّرون في اجتهاداتهم بالفلسفة الإغريقيّة، والمصريّة، والديانات السماويّة الأخرى، الّتي انتقلت إلى التصوّف الإسلاميّ، لكنّ الأساس عندهم هو القرآن الكريم، بتفسير باطنيّ لبعض آياته... والدرزيّة الحقيقيّة هي الحكمة العرفانيّة، وأساس عقيدتهم قائم على طلب الحكمة، وهي موجودة في كتبهم المقدّسة الستة، الّتي تسمّى "الحكمة"، وتضم اجتهادات فقهيّة متميّزة في الخلق ومراحله، وفي لبّها عقيدة تقمّص الأرواح، ولا يستطيع قراءتها سوى طالبي العلم "الكهول". والاسم الحقيقيّ للدروز هو "الموحّدون".
أي أنَّ الموحّدين الدروز أتباع مذهب خاصّ من المذاهب الإسلاميّة المتعدّدة، وهو مثل المذاهب الأخرى، وليد اجتهادات فقهيّة وفلسفيّة في أصول الإسلام، وقد جروا على كتمان مذهبهم عمّن سواهم، من باب التقيّة.
وفي تصريح لشيخ الأزهر السابق، محمود شلتوت، قال: "أرسلنا بعض العلماء، للتعرف على المذهب الدرزيّ، وجاءت التقارير الأولى تبشّر بالخير، فالدروز موحّدون مسلمون مؤمنون".
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، تقلص عدد الدروز في فلسطين إلى النصف، نتيجة استيلاء الحركة الصهيونية على أراضيهم، وكذلك بسبب الضرائب العثمانية الباهظة، وبسبب الفرار من الخدمة العسكرية، ونتيجة لنشوب صراعات بين الحمائل. وبلغ عددهم في إحصاءات 2017 نحو 134 ألف نسمة.
وفي سياق محاولتها لفصل الدروز عن بقية العرب، قامت إسرائيل باستبدال كلمة "عربيّ" بِـ"درزيّ" في الهويّة، كما فصلت المجالس المحليَّة الموجودة في القرى الدرزيّة عن باقي المجالس المحليّة الفلسطينية، وخصصت منهاجاً تدريسياً خاصّاً بالدروز.
إذا كانت الصورة الآن مفادها أن الدروز يخدمون في الجيش الإسرائيلي المحتل، فهذه تمثل جانباً صغيراً من الحقيقة، بينما الحقيقة أن الدروز بأغلبهم ظلوا على انتمائهم الوطني الفلسطيني، معتزين بقوميتهم العربية، وقد برز منهم قادة ومفكرون وأدباء، شكّلوا جزءاً من المشهد الثقافي والنضالي الفلسطيني، نذكر منهم على سبيل المثال سميح القاسم.
ويؤكد "نفاع"، أن الدروز قاوموا بشراسة الهجرات اليهودية الأولى إلى فلسطين، كما قاوموا المخططات الصهيونية طوال فترة الانتداب البريطاني، وشاركوا في ثورة الـ36، وتطوع بعضهم في جيش الجهاد المقدس، وفي جيش الإنقاذ تطوع نحو 500 مقاتل درزي.
في بدايات تأسيسها، أعفت إسرائيل جميع المواطنين العرب من الخدمة العسكرية، بسبب تخوفات أمنية، ولأسباب أخرى لها علاقة بسياسات الدمج التي لم تكن محسومة لدى صناع القرار آنذاك، بيد أنها أصدرت في العام 1956 قانوناً يلزم أبناء الطائفة الدرزية (والشركس) بالخدمة العسكرية. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أجبرت 16 شخصية درزية عام 1956 على التوقيع على عريضة تعتبر تجنيد الدروز إجبارياً، رغم توقيع 1245 آخرين على عريضة مضادة عبروا فيها عن رفضهم للخدمة، وإرسال القرى الدرزية 50 عريضة إلى رئيس الوزراء، ترفض التجنيد لأسباب ضميرية.
والغرض من وراء تجنيد العرب الدروز دعائياً لا أمنياً، يتمثل في الرغبة بزعزعة الثقة بين الدروز وبقية العرب، وإساءة العلاقات بين الدروز الفلسطينيين وبين سائر العرب الدروز في المنطقة.
ومنذ ذلك الحين، التحقت أعداد كبيرة منهم في الجيش، ومنهم من اقترف جرائم بحق الفلسطينيين، وقد قُتل منذ بدء التجنيد الإجباري حتى اليوم نحو 400 درزي في صفوف الجيش الإسرائيلي.
ومنذ سنوات، بدأت تتزايد في الوسط الدرزي نسبة الرافضين للخدمة العسكرية، استجابة لمبادرة لجنة المبادرة العربية الدرزية، وحراك "أرفض، شعبك بيحميك"، الداعم لرافضي الخدمة العسكرية. وقد وقع 5500 درزي على عرائض ضد الخدمة الإجبارية.
وأظهرت دراسة لمركز هرتسيليا أن 54% من الشباب الدروز يرفضون التجنيد، وأشارت دراسة أجرتها جامعة حيفا عام 2014 إلى أن 65% من الشباب الدروز يرفضون الخدمة العسكرية.
 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]