بعيدا عن الأخبار المؤلمة، بعيدا عن العنف والقتل والحرق والسرقات، هناك وجه آخر لعرابة. وجه ناصع ورائع، يبشّر بأن عرابة، التي حافظت على قيمها االأخلاقية، التربوية، الثقافية، والوطنية منذ عقود طويلة، رغم أن سحابة صيف مرت من فوقها ونغصتها قليلا، تشهد إشراق الشمس من جديد، وتنور سماء عرابة الصافية باجتياز دفعة جديدة من الاطباء لامتحان النقابة، وحصولهم على رخصة مزاولة الطب رسميا. 

كان موقع "بكرا"، قد اعد في وقت سابق، تقريرا عن نجاح ثلاثة عشر طبيبا من مختلف العائلات في عرابة، واليوم يحقق اربعة أطباء جدد حلمهم. وقد كان حلمهم ليس اجتياز امتحان الطب فقط، بل ما هو أرقى وأعلى، وهو تخصيص جلّ وقتهم لمساعدة الاخرين وإنقاذهم.

عن الاطباء الجدد، كيف استقبلوا خبر نجاحهم، شعورهم وطموحاتهم ورسائلهم الانسانية التقى موقع "بكرا" بكل من محمد فوزي لهواني، أهل هنادي واكد، عمار كناعنة ومصطفى ياسين.

الطبيبة هنادي تحدت مصاعب اللغة وعدم وجود عربية سواها بالجامعة... نجحت وتزوجت ولديها ابنة

بداية كان لقاؤنا مع أهل الطبيبة الجديدة هنادي أمين واكد، التي درست الطب في ألمانيا، وهي اليوم متزوجة بطبيب مختص بالاعصاب في المانيا، وهو من أصول فلسطينية. عادت الى البلاد لتقدم امتحان الدولة ومن ثم سافرت مجددا الى المانيا لمتابعة دراسة اختصاص الأعصاب.

يقول السيد أمين، والد الطبيبة هنادي، إن ابنته تعلمت في جامعة ماينز في المانيا، وكان خالها القاطن هناك يساعدها في تدبر أمورها، خاصة وأن ابنته واجهت عددا من المشاكل، منها مشكلة اللغة الألمانية الصعبة، عدم وجود طالبات من البلاد يتحدثن اللغة العربية هناك وصعوبة التأقلم مع الحياة الجديدة، بالاضافة الى المجتمع العربي الذي يصعّب من امكانية تعلم طالبة خارج البلاد.

يقول والدها ان هنادي تحدت كافة المشاكل والمطبات التي حاولت ان تثنيها عن تحقيق هدفها، لكن بإصرارها استطاعت ان تحقق حلمها وحلم أهلها بأن تصبح طبيبة.

ويضيف: " بعد سنتين من تعلمها، واجهت امتحانا مفصليا صعبا في الجامعة، لكنها اجتازته بامتياز وأكملت مشوارها. ثم واجهت امتحانا مفصليا اخر وايضا اجتازته بامتياز. وبعد نجاحها، تزوجت وانجبت طفلة لتعود الى البلاد من أجل أن تتقدم لامتحان الدولة، وكان وضعها صعبا، فمنذ ثمانية سنوات لم تتكلم العبرية، وكادت تنسى اللغة الانجليزية، الا انها نجحت اخيرا بامتحان الدولة".

اما والدتها فقالت ان شعورها كان لا يوصف عندما نجحت ابنتها بالامتحان، لكن فرحها كان منقوصا، فلم تستطع ان تحتضن ابنتها لأن بعدها الجغرافي كان ما نغص عليها هذا الفرح العارم. 

وتضيف: " لن تجد ابنتي في المانيا من يشاركها فرحتها اجتياز الامتحان، خاصة ظروف المجتمع الالماني وبعدها عنا".

يذكر ان لهنادي أخوين آخرين يتعلمان الطب في رومانيا، وكانت امهم قد واجهت صعوبة بابلاغهما بنجاح اختهما لان الساعة كانت متأخرة فانتظرت حتى الصباح دون ان تنام لتتصل بابنيها وتبلغهما بنجاح اختهما.

جدير بالذكر ايضا ان نجاح هنادي هو تحقيق لطموح جدتها التي ارادت في خريف عمرها ان ترى حدفيدتها طبيبة، وكانت جدتها قد سافرت الى المانيا لحضور حفل تخرجها.


الطبيب محمد لهواني: ظننت أني عريس في حفل زفافي، هكذا وصفت فرحة أمه بنجاحه!!!

اما الطبيب محمد فوزي لهواني فهو من خريجي جامعة كيشينيف في مولدافيا، تقدم لامتحان الطب هذا العام بعد ثلاثة اشهر من تخرجه، واستطاع من المرة الاولى ان يعبر امتحان الدولة, اما عائلته فقد احبت العلم , فله شقيقة تخرجت من معهد العلوم التطبيقية (التخنيون) بتفوق, وأخت أخرى محامية.

وقد قال الطبيب محمد لهواني لمراسل موقع بكرا: "تخرجت في شهر حزيران من جامعة كيشينيف في مولدافيا، وتقدمت للامتحان في شهر اوكتوبر دون دورة, كنت على ثقة تامة بنجاحي من المرة الأولى, عندما عرفت عن نجاحي، كانت والدتي اول من عرف, قبلتني من شدة فرحتها بنجاحي. شعرت بان هما عن كاهلي قد زال وان اردت ان اصف فرحة أمي، فإنه من الممكن تصورها كأم تزّف ابنها وقت عرسه.

الطبيب عمار كناعنة: أطمح بدراسة طب النساء...

الطبيب عمار كناعنة كان عاملا مع والده، عمل اكثر من خمس سنوات قبل ان يقرر تعلم الطب، ومن ثم سافر الى مولدافيا لتعلم الصيدلة، لكنه قرر منذ السنة الاولى أن يتعلم الطب.

أكد الطبيب عمار ان الطلاب العرب في الجامعة كانوا يدا واحدة ومتعاونين، وكذلك كان الشعب لطيفا معهم ومحترما.

وحول استقباله خبر نجاحه يقول: "بعد عودتي الى البلاد، تسجلت لامتحان الطب وبنفس الوقت لدورة دعم لامتحان الطب، وفي اللقاء الاول للدورة عند عودتي من تل ابيب علمت ان النتئج صدرت، وعندما فحصت النتائج علمت انني نجحت. فأعلمت ابي وأمي فورا. وعند وصولي استقبلوني بالمفرقعات في البيت، ولأول مرة في حياتي أرى العائلة تشتري المفرقعات فشعرت بمدى اعتزازهم بي".

وعن طموحه، قال انه يطمح بدراسة اختصاص طب النساء، واذا لم يوفق بالاختصاص في البلاد، فإنه سيسافر للخارج كي يختص. والدة الطبيب عمار قالت ان فرحتها لا توصف، فكل الابناء يفرحون بزفافهم، ببيتهم الجديد لكن ليس كل الابناء يفرحون بمثل هذه النجاحات.

الطبيب مصطفى ياسين: ابي عارض تعلمي الطب... وفي التاسعة والعشرين من عمري قررت تحقيق حلمي

وأخيرا كان الطبيب مصطفى ياسين، خريج جامعة كيشينيف في مولدافيا والذي عمل هو الآخر مع والده خمس سنوات، وكان قبل خروجه لتعلم الطب قد درس موضوع الالكترونيكا في البلاد، لكنه منذ تعليمه الابتدائي طمح بتعلم الطب، غير أن اعتراض والده الدائم على الأمر حال دون ذلك. 

إصرار الطبيب مصطفى على تعلم الطب، وبعد انهائه تعلم الالكترونيكا، ادى به إلى ان يسافر وهو في التاسعة والعشرين من عمره لتعلم الطب ويحقق حلمه.

وعن اختياره لموالدافيا، يقول: "بسبب جدية التعليم وبسبب مصاريفها الرخيصة".

 أما عن استقباله للنجاح بامتحان الدولة فيقول: " أردت الدخول الى الانترنت لفحص العلامة، لكنني عدلت عن ذلك بسبب خوفي وقلقي. وبعد مرور اكثر من نصف ساعة امام الحاسوب قررت ان أتشجع لأرى النتيجة... فكانت نتيجتي النجاح.  كان وترددي لأني لم ادرس جيدا للامتحان، وكانت دراستي اقل من شهر نتيجة لظروف عملي".

وعن استقبال اهله لنجاحه يقول: " يومها كان اهلي في رحلة بالاردن، فذهبت وأخبرت اختي بالنتيجة، وهي تكفلت باعلام اهلي في اليوم التالي عندما عبروا من الاردن الى البلاد. تحدثت اختي مع اهلي، هم لم يصدقوا فسألوها عدة مرات ليقتنعوا بان نجاحي ليس حلما، فتعالت الزغاريد وبكت امي في الباص، لكن الحظ كان حليف المجموعة في الباص فقد حصلوا على حلو النجاح قبل مغادرتهم الباص!".
 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]