ينتهي الخبر أحيانًا عند انتهاء الحدث، ولكن، المُعاناة لا تتوقف بعدما ينزل الموضوع من العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام، بل إن أصحاب المشكلة يبقون يعيشون مع مُعاناتهم.

ضمن سلسلة تقارير نُعدها في موقع "بُكرا" حول مدينة الطيبة العربية، ارتأيت أن أبدًا بحكاية عائلة الحاج عبد القادر أشقر وزوجته نوال اللذان هُدم بيتهما قبل نحو ستة أشهر، رغم أنني أثناء الجولة التي قمت بها مع القيادي في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، عضو المكتب السياسي أيمن الحاج يحيى ظهر واضحًا أن مدينة الطيبة "غارقة" بالقضايا التي تُحمل عقول الناس همومًا وتُحمل أجسادهم معناه كثيرة حتى أصبح العيش في هذه المدينة، والتي تُعتبر واحدة من أكبر المُدن العربية في البلاد مُنغصًا.

ونعود إلى الحاج عبد القادر أشقر وزوجته نوال، حيث كانا يعيشان بأمان الله في بيتهم المتواضع بالقرب من حقول زراعية من الجهة الغربية من الطيبة، إلا أن جرافات الهدم جاءَت تحت جنح الظلام وهدمت منزلهم المكون من طابقين، طابقٌ وطابق آخر لابنه، حيث قامت القوات الإسرائيلية حينها بالاعتداء على أفراد العائلة، واختفت في تلك الليلة صيغة ومجوهرات تُقدر بنحو 50 ألف شيكل، بالإضافة إلى 15 ألف دولار لا تعرف العائلة أين هُم الآن.

حُطام المنزل ما زال أمام ناظريّ الحاج والحاجة الكبيرين في السن، إلا أن العائلة التي لم تجد لها مأوى تعيش فيه، ولم تجد سقفًا يحميها، "بنت" مكان البيت المهدوم "كرفنًا" من ألواح "الزينكو"، إلا أن "سطات الهدم" ترى أنه حتى هذا المبنى المتواضع البسيط الذي يُمكن أن "يُفكك" بدقائق، والذي لا يحوي الاسمنت، حتى هذا لا تُريده، صانعة بذلك أمرًا واقًعًا مُرًا مفاده "ترشيد" هذه العائلة، دون إيجاد بديل آخر لها

الحاجة نوال "تزور" كُل يوم حُطام بيتها وتقف على ما تبقى منه ويعتصرها الأم، وقالت في حديثنا معها: " أسأل الله أن يهد بيوت من هدموا بيتي ويُعذبهم في حياتهم ومماتهم، لقد وضعنا في بيتنا تحويشة العُمر وأتوا وهدوه خلال ساعات، كُل يوم آتي وأقف على حُطام بيتي وأشهر بقهر شديد في قلبي وأجهش في البُكاء، لقد هدموا بيتنا على الأغراض التي فيه، لقد رموا بعض الأغراض خارجًا حتى أتلف بعضها وهدموا البيت على ما تبقى وفقد مبلغ كان قد وضعه ابني معي بالإضافة إلى صيغة من الذهب رفضوا أن يسمحوا لي باخراجها، يُريدون منا أن نتشرد، اليوم نحن نعيش في (كرفان) سقفه من (الإسبست) وهذا أمر صعب للغية، المياه تدخل إلى البيت في الشتاء والبرد يقتلنا، الكرفان كما تعلمون غير مُغلق بشكل جيد والهواء البارد ينخر في عظامنا، المطبخ الموجود بسيط وسيء الحال ويصعب علي أن أطبخ فيه وبينما أقوم بترتيب (الكرفان) أتذكر بيتنا الذي بنيناه قبل نحو ست سنوات وكيف هي حالنا اليوم فأصاب بالإحباط والحزب الشديدين وأبكي كثيرًا".


الحياة داخل "الكرفان"، وبجانب حطام البيت الذي كان هو أمرٌ صعب جدًا، على المستوى الحياتي على مستوى الحاجيات اليومية وعلى المستوى النفسي أيضًا.

الحاج الحاج عبد القادر لا يُكثر الكلام عن يوم الهدم، ولكن يقول من يعرفه أن شخصيته تغيرت كثيرًا، والأشهر الخمسة التي مرت عليه منذ يوم الهدم حتى اليوم لا يبدو أنها قد غيرت من الحال شيئًا ولم تُهون عليه شيئًا من الكارثة التي وقعت، فهو يُكثر التأمُل في البيت المهدوم الذي بناه بعرق جبينه، والذي فعل كُل شيء يستطيع فعله كي يَحولُ دون هَدمِ منزله الذي رفع طوبه على كتفيه، وبينما هو يتأمل كومة الطوب المُحطم والحزن واضح على عينيه وكأن البيت قد هُدم قبل ساعات، قال: "في البيت كانت هُنالك رخصة زراعية والموضوع كان في المُداولات في المحاكم ورغم ذلك هدموا البيت.. واليوم يريد أن يهدموا (الرفان) لا أعرف ماذا أفعل". ثُم بدا عليه التأثر الشديد ولم يستطع أن يتحدث أكثر ثُم قال: "صور وشوف وضعنا.. شو بدي أحكي، الوضع بحكي لحالو"..!

يُذكر أنه في "لحظة ما" قد تأتي آلات الهدم الخسيسة لتهدم "الكرفان" القائم ليُكوم حُطامه فوق حُطام البيت المهدوم..
 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]