مقدمة:
سأقوم في كتابة سلسلة مقالات على شكل حلقات بها أحاول أن أقنع القارئ الفلسطينيّ في الداخل لماذا يجب عليه أن يقاطع انتخابات الكنيست أيدولوجيّاً – استراتيجياً وليس تكتيكيّاً، من منطلق ما يمليه عليه الضمير في هذا المفترق الهام الذي نقف اليوم على أعتابه. اليوم نحن موجودين على مفترق طرق فيه قضية وجود لفلسطينيي الداخل، قضية "كن أو لا تكون"، قضية "هوية وتعريف" وليس لعبة برلمانية الرابح بها هو فقط "أعضاء الكنيست" واليك الحلقة الاولى أيها القارئ.

في مبدأية الموقف: مسارات في البيت الفلسطينيّ:

منذ ابتدأت ولوجات الاستيطان اليهودي بالتدفق الى أرض فلسطين في فترة سلطة السلطان عبد الحميد، تمركزت موضوعيّاً كل حركات العمل السياسي الفلسطينيّ وشخصياته في مسارين لا ثالث لهما: الواحد يطرح ويعبر عن مشروع خيانيّ معتدل والآخر يعبر عن مشروع مقاومة وتحرير.
وقد واجه كل من تذاكى برفع شعار "الواقعيّة السياسيّة" أو استعمال مصطلح "شق صفوف المعسكر المعادي" بواسطة تسليم تنازلات مبدئية، قاعدة حديديّة والذي لا يمر يوم واحد على الصراع العربيّ-الصهيونيّ المسترسل اكثر من مائة عام، إلا واثبتت صحتها، وهي قاعدة التناحر الصراعيّ الذي لا حلّ له إلا بإلغاء الآخر معنوياً وممارستياً وبالعنف المستشري يوماً بعد يوم.
وهذه القاعدة أثبتت ليس بسبب التعصب والتطرف في امتنا العربية، بل بسبب طبيعة الصهيونيّة التي نواجهها وما تكنه من عداء للشعوب بشكل عام وللشعب الفلسطيني بشكل خاص، وبسبب خصوصية طبيعة مشروعها ومخططاتها، وبالرغم من كون القيادات العربية معتدلة كان مشروع الصهيونية مشروعاً احتلالياً استيطانياً فيه كل الاعتداء على شعب فلسطين، ثم تحول الى "مشروع تفكيكي" حين وصل الى المرحلة "الشرق أوسطية".

وقد جرّب الحاج أمين الحسيني فترة عقدين من الزمان أن يبقي بريطانيا على الحياد لكي يقوم بالتركيز على مواجهة الصهيونية، وقد جاء هذا الامر بعد أن تخلت الزعامات الفلسطينية عن "وحدة وعروبة فلسطين" مع باقي امة العرب لمصلحة مشروع تحت نير الانتداب هو مشروع "الدولة الديموقراطية الواحدة في فلسطين" بحجة انه "أكثر واقعية" في فلسطين المتكونة من العرب واليهود، وهو الذي دفع بعض الفلسطينيين الى الاعتقاد في تلك الفترة ان هذا المشروع أقرب لإدراك ولتفهم "الرأي العام الغربي" الذي لفظ خارجاً مصداقية أكثر من قوة وشخصية سياسية فلسطينية، الى أن اكتشف الحاج أمين وقتها انه من المستحيل التوصل الى تفاهم مع المملكة المتحدة- بريطانيا عشية ثورة 36، مع التأكيد انه حينها كان يعتبر من الوجهة السياسية الاكثر إخلاصاً والتزاماً للقضية الفلسطينية، عكس الفرقة الاخرى الممثلة بآل النشاشيبي وباقي الاحزاب العربية.

حينها امسى واضحاً ان بريطانيا الامبريالية هي حامية الحمى للمشروع الصهيوني ووجهته القانونية! وكان يفترض تاريخياً حينها ان تشطب تماماً الفكرة حول إمكانية التعايش مع اليهود المهاجرين الجدد في فلسطين عكس اليهود الساكنين بها قبل الهجرة، ضمن إطار دولتين أو دولة واحدة، ثنائية القومية كانت أو ديموقراطية، لولا وجود مجموعة عربية فلسطينية ترتبط مصالحها بالتفاهم مع أعداء الامة آنذاك، لكانت انتهت الى الابد بعدها أي مراهنات حول تحقيق الحد الاسفل من حقوق الامة العربية عن طريق "حل سياسي تكون قيّمة عليه القوى العظمى".

أما ما تبقى فهو تحصيل حاصل وعملياً، ضاعت قضية فلسطين سنة 39 مع الفشل الذريع لثورة 36، وليس عام 48، وكانت الزعامات الفلسطينية قد خسرت وقتاً ثميناً والمشروع الصهيوني لا يزال بأوله، باستنادها على حماقة "الحل السياسي" و"التفاهم" مع بريطانيا بدلاً من التجهيز للثورة والقيام بطرد المستعمر آنذاك، تماماً كما حدث بمستعمرة جرش الصهيونية في شرقي الاردن في نهاية القرن التاسع عشر في زمن حكم السلطان عبد الحميد وبسبب وحدة العرب هناك وثورتهم لذا تعثر الاستيطان الصهيوني لشرق الاردن لزمن غير مسمى، في نفس الوقت الذي كان يقوم الزعماء الفلسطينيين بكبح جماح الفلاحين وكانوا حينها يجمعون التوقيعات من أجل إرسال العرائض للباب العالي في الدولة العثمانية للاحتجاج على السماح بولوجات الهجرة اليهودية الى أرض فلسطين.

ويتبع.....

بقلم: جريس بولس.
ادنبرة-اسكتلندا. 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]