الشريط الأخباري

أنقابة للمُحاماة... أم للمُحاباة ؟! - بقلم: المحامي رافي مصالحة

نشر بـ 10/06/2021 11:06 , التعديل الأخير 10/06/2021 11:06
أنقابة للمُحاماة... أم للمُحاباة ؟! - بقلم: المحامي رافي مصالحة


على ضوء الصّمت المدوّي لنقابة المحامين بممثليها العرب في كل الألوية ووقوفها موقف المتفرج من سحقِ حقوق المواطن العربي في حرب غزة الأخيرة من فضٍ عنيفٍ للمُظاهرات ومنعها (بقوة السلاح !) وزج المئات في السّجون دون حق ودون مراعاة للقواعد القانونية، والمس بحق التنقل (منع الحافلات من السفر نحو الأقصى) وحق العبادة (وما جرى في الاقصى من ممارسات وانتهاكات إجرامية لهو خير دليل على ذلك) وحق التعبير عن الراي (حتى أن الكثيرين سجنوا لمجرد كتابات لم ترق للمخابرات) وغيرها من الحقوق في دولة لطالما تغنت بأنها "واحة الديمقراطية" في أدغال الشرق الأوسط حالكة الظلام، فقد توجب أن نقول كلمة الحق...ولو عند سلطان ظالم !. لا شك أنه مخطئ تماما من يعتقد أن المحاماة هي مجرد مهنة ترمي فقط للدفاع عن حرية المواطن وكرامته أو غوث الضعيف ونصرته‏, فالمحاماة مهنة تحمل رسالة راقية وعالية، ولا يمكن لأحد أن يعرف قدرها إلا من أراد إقامة العدل والدفاع عن الحق ومحاربة الظلم, بل لقد شهد التاريخ أنها ما انفكت منبراً للوطنية والقومية منذ فجر الحضارة البشريه. كانت أول الأصوات التي نادت باستقلال الشعوب المكبوتة والمقيده والمُداسة هي أصوات المحامين المدوية التي تردد صداها في أسماع العامة وفي عقولهم الواعية والباطنه, كصوت المحامي سعد زغلول والمحامي مصطفى النحاس والمحامي مرقس حنا الذين سطروا تاريخا من الشرف في معارك مصر القرن البائد لنيل حريتها‏ وفك قيود المستعمرين الذين عاثوا فيها فسادا. قيل في المحاماة انها مهنة الفرسان النبيلة السامية, مهنة النبلاء, وقيل في المحامي انه رسول العدالة وطالب الحق أينما كان. فالمحامي هو الوجه الثاني للعدالة، ذلك أن من جوهر مهامه إظهار الحقيقة وإيضاحها وتأييدها بالحجج والبراهين, فإذا اختل هذا الوجه خبا نور الحقيقة حتى قيل بحق: (إن العدالة نتيجة حوار بين قاضٍ مستقل ونزيه وبين محام حر وأمين).

لقد شهد التاريخ أن رواد التغيير والصدح بالحق والكفاح لأجل المبدأ الأسمى كانوا من بين المحامين, فمنهم من تولى زعامة الأمم وقيادة الشعوب ورئاسة الدول والحكومات والبرلمانات، ومن اختيروا لأرفع مناصب القضاء. فقبل المحامي باراك اوباما وقبله "الزير" كلنتون, وجيرالد فورد وتوماس جيفرسون, كان أبراهام لينكون (رئيس أمريكا في عهد تحرير العبيد عام 1861) محامياً ناجحاً بولاية إيلينوي, وغاندي زعيم الهند كان محاميًا، كما أن مصطفى كامل وسعد زغلول زعيمي مصر الخالدين كانا محاميين, وترأس وزاراتها المحامون مصطفى النحاس وحسن صبري وأحمد ماهر وإبراهيم عبد الهادي ونجيب الهلالي، وتولى رئاسة مجلس الشيوخ ومجلس النواب المحامون محمود بسيوني ومحمد محمود خليل ومحمد حسين هيكل وعبد السلام فهمي جمعة وحامد جودة. هذا وتولى رئاسة جمهورية فرنسا كثيرون من المحامين ونقباء المحامين أمثال جول جريفى ولوبيه وفالليير وبوانكاريه وميلليران، كما تولى رئاسة الوزارة في فرنسا في أحرج أوقات الحرب محامون منهم ألندر ريبو ورينيه فيفانى وارستيد بريان وغيرهم. وهاكم مثال آخر من عهدنا القريب هو صاحب جائزة نوبل الذي ترأس الهيئة الدولية للطاقة النووية وصاحب البصمة في تغيير حاضر الأمة المصرية محمد مصطفى البرادعي (ووالده مصطفى البرادعي محام ونقيب سابق للمحامين) هو خريج كلية الحقوق في جامعة القاهرة سنة 1962.

لقد كان للمهنة سحر كامن بثّ في النفوس هياما ملك على جوارح البشر‏,‏ وقد ذاق من امتهنها في السنين الغابرة حلوها الذي علا من نشوة النجاح ومرها الذي امتزج بألم الخسارة‏, ولعل مرها هذا كان طيب الأريج حلو المذاق سائغ للناهلين, فليس يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها‏. كنت تنصت إلى مذكرات المحامين ومرافعاتهم فترتسم أمام ناظريك قطع من الأدب الرفيع الذي يداعب المسامع فترتشفه بشغف عجيب‏.‏ وجمهرة المحامين كانت منتدى للأدب والقانون والسياسة والوطنية البريئة من التحذلق وتخيّر العبارات الطنّانة الخاوية, والحوار امتزج بالدعابة الراقية والمرح الذكي, كان الحديث فينا يوقر المخضرم‏,‏ وكان المتمرس يسعد بالمبتدئ, يعلمه ويلقنه أصول المهنة وآدابها بروية وحسن المعشر‏.

إن القلب ليدمي ويجزع‏ لما آلت اليه الحال فشرف المهنة انحرف ودنا وتدلى فصار قاب قوسين أو أدنى من الهاوية غير ذات القرار. لم يعد يرتجف جفن إزاء محام اعتاد التزوير في الاوراق الرّسميّة, أو محام يزايد ويتحايل ويخادع في سبيل اقتناص ملف دعوى تعويض أو غيره من زميل آخر سبقه إليه, أو محام يغتصب أرضا أو عقارا ويهبه بأساليب السمسرة الخبيثة للمستوطنين, أو محام يلعب دور البطولة في جريمة نصب واحتيال‏ لنهب مال العامة أو الخاصة, أو محام قبض أتعابه ليعرض أمام القاضي مظلمة موكله, فيرتبك ويتلعثم ويرفع راية الإستسلام عند أول طعن لخصمه لعدم الدراسة والتمحيص اللازم لمواد قضيته, أو محام انتدب لرفع الضيم عمن أضرت به براثن السلطة, فيقف عاجزا تائها أمام مندوب السلطة الجائرة لينتهي الأمر بجور ابلى وأعظم. ‏إن كنا هنّا على الناس‏, فذلك‏ لأننا هنّا على أنفسنا. لقد انصرف الأغلب إلي الخلاف الدنيء بين الزملاء‏,‏ خلاف وصل في جلّ الأحوال إلي المشادة المشوبة بالقذف والتجريح والتشكيك, بعيدا عن الحوار العاقل الملتزم بقواعد النقاش الحضاري, فاختلفت الآراء وجراءها فسدت في الودّ كل القضايا.

لكن موضوعنا اليوم هو التخاذل عن اتخاذ المواقف التي تهم المحامي كحارس يقظ وأمين لحقوق شعبه فلا يتوانى ولا يصمت ولا يهادن في المس بحقوق الناس. يتشدق الكثيرون في هذه الايام أن السياسة لا تعني نقابة تمثل المشتغلين في مهنة القانون، فيخلطون الحابل بالنابل على جهالة. وددت لو عرفت اولا كم من جماهيرنا العربية في البلاد شعرت خلال أربع سنوات خلت او يشعر اليوم, أو اهتم حتى بان هناك نقابة للمحامين, وان هناك زوبعه وهمية تدور رحاها كل حقبة حول الانتخابات بين المحامين العرب الذين لطالما علت صيحاتهم "للتغيير"، فهي مؤسسة لا تكاد تعني احدا ولا يشعر بوجودها البشر !!.

فجاءت حرب غزة في آخر رمضان الأخير كي توقظنا وتجعلنا نتساءل: ألا يجدر بالمحامي العربي أن يكون له موقف من مصادري ومغتصبي ارضنا، ومن قاتلي شعبنا وشبابنا دونما حق, ولماذا هذا التغاضي عمن يهيننا عند كل حاجز شرطة او جيش ليذكرنا كل مرة اننا ضيوف غير مرغوب بهم, لماذا هذا التودد والتملق لمن يحرص على تطبيق القانون... الا علينا !!!, ومن يستثنينا من كل حق في التعليم اللائق والسكن والبناء والتنقل الحر بين المطارات والموانئ والصلاة بحرية في مساجدنا وكنائسنا وغير ذلك الكثير الكثير. يا من تحركون رياح الثورات في حدود خيالاتكم: بالله عليكم لو تجلبونها كي نرفع ولو قليلا من معاناة المستضعفين. إذا كان المحامي هو حامل راية العدل والنضال المستميت للحريات فأين نضالكم الحقيقي ايها الراكضون وراء سراب مخيلاتكم السقيمة؟ وفق ما علمنا، فإن الديمقراطية تعني رفع صوتنا بحرية ضد الظلم والاجحاف، لا السكوت عليها ارضاء لغيرنا او خشية من ردهم.

إن قيمة حياة الفرد تكمن في اتساع الرقعة التي يكرسها من حياته لإيفاء الرسالة السامية التي يخدم بها شعبه ومجتمعه, بعيدا عن اعتبارات الربح والمردود المادي, قريبا من تحقيق الذات وترك بصمة مضيئة في تاريخ بيئته ومحيطه. وأنا الان أسائلكم: كم كانت مساحة تلك الرقعة المضيئة في حياة كل منكم والتي كرستم فيها لمبدئكم جهدا ووقتا منذ ارتديتم عباءاتكم لاول مره ؟. ما هو رصيدكم من العمل المبدئي الموقوف حصرا وقصرا على خدمة المجتمع وفئاته المنكوبة عديمة الحيلة دون ابتغاء للمقابل المالي ؟.
ان الذي قد يقض مضجعي هو البَكَم والعجز والشلل فيما يخص حقوق العامة, والذي سيصبح وصمة داكنة السواد في تدهور نقاء هذه المهنة نحو هاوية الوضاعه.


المقالة تمثّل رأي كاتبها، وتم نشرها كما وصلتنا تمامًا.

أضف تعليق

التعليقات