بقلم: *راضي شحادة
تردّدت كثيرا قبل أن أُقدم على الكتابة عن فيلم "أميرة" لمخرجه ومؤلّفه المصري "محمد دياب"، لأنّ الفيلم يثير تساؤلات قد يصعب الإجابة عليها، وفي الوقت ذاته هي تساؤلات تثير التّفكير، وقد نستفيد من محاولة الإجابة عنها، وقد يكون من الصّحّي أخذ العبر منها، من منطلق أنّه "وعسى أن تكرهو شيئا وهو خير لكم".
نحن مرتعبون حتى من مجرد التّفكير بأنّ يحدث أمرٌ كهذا، لذلك فإنّنا نفضّل أن نرفض الفكرة من أساسها، او مجرّد إتاحة الفرصة لدماغنا بأن يتخيّلها لشدّة عبثيّتها، لحجم ما أصبح وضعنا مع الاحتلال عبثيّاً، في وضع يصبح مسلوب الوطن والسّاعي الى الصراع من أجل البقاء، ومحاولاته استرداد حقّه المسلوب، مسلوب الإرادة أمام المحتل الذي يعيش حياته الطبيعيّة بشكل عادي، كأنما لا توجد جريمة كبرى اقترفها في حق شعبٍ أو جزءٍ بحُكمه عليهم إمّا بالسّجن داخل وطنهم داخل جدار، او داخل جدران معتمة في أقبية السّجون.
فيلم "أميرة" يثير موضوعاً شائكاً ومركّباً وفكرته غاية في الأهميّة، لذلك فاستخلاص العبر منه لا يكفي بردّ سريع، بل بحاجة لبعض التَّأني في المعالجة من أجل الاستفادة مستقبلاً عندما ننوي تحويل فكرة جوهريّة ما الى عمل إبداعي ضخم، ومحاولة توخّي الحذر في تفاصيل العمل، لأن الشّيطان دائما يكمن في التَّفاصيل، وبخاصة اذا كان العمل يتطرّق الى موضوع "آكتوآلي" نعيشه بألم، وهو موضوع الأسرى الفلسطينيّين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
إنّ مرحلة بناء النّص او السّيناريو هي العمود الفقري لأي عمل إبداعي، وقد تكون قابلة لبعض التّغيير خلال فترة إنتاجه، ولكن النّص الأصلي يبقى هو الأصل. ولأن فيلم أميرة يحمل فكرة قوية ومثيرة للجدل وللتّساؤل، وحسّاسة جدا، فهو يستحق دراسة معمّقة وليس مقالا، ولا يكفي أن نحاسبه بجرّة قلم.
تبدو فكرة الفيلم للوهلة الأولى إنسانيّة جدا، ومع تطوّر أحداثه تبدأ إنسانيّة السّجّان على حساب حق السجين وإنسانيّته. وبقيت التّساؤلات الكثيرة تراودني بينما أنا أتابع بشغف أحداث الفيلم المشوّق جدا، وبقيت أنتظر الإجابة عنها بفارغ الصّبر من خلال أحداث الفيلم، ولم يسعفني انتظاري في ذلك؛ وهنا يكمن الخَلل الذي أثار كلّ هذه الضّجة العنيفة ضدّ الفيلم، لأنّه اتّجه نحو المجهول، وهنا بالذّات كانت سَقطة الحلقة المفقودة في حبكة فيلم "أميرة".
إذا كانت وظيفة الفنّ إثارة الأسئلة وعدم مطالبته بطرح الحلول، فإنّ فيلم "أميرة" أثار أطنانا من الأسئلة، ولكنّها أسئلة مُربِكة، لم يكن مطلوباً منه الإجابة عنها بشكل مباشر، ولكنّه أيضا لم يُفلِح في صياغتها بشكل واضح، ولم يوضّح في حبكته بشكل منطقي لماذا لم توصلنا في النهاية الى حلول دراميّة تأليفيّة متماسكة ومقنعة، وهذه التّساؤلات هي:
لماذا قرر الضابط الصّهيوني زرع نطفته في رحم زوجة الأسير؟ ما هي الدوافع والأهداف التي جعلت هذا الجندي او الضابط يقوم بعملية كهذه؟ هل قام بذلك مثلا بدافع انتقام من الأسير لأنّه ربما كان سبباً في مقتل أحد أقربائه أو أحد أصدقائه؟ هل كان ذلك بدافع عنصريّ؟ هل لديه نزوات جنسيّة او شذوذ جنسيّ؟ هل كان دافعه بشكل فرديّ أم بتوجيه من قادته؟ إذا كان هدفه الحصول على مولود من زوجة الأسير، فما الفائدة من ذلك وهو يعلم أن الأم عربية والأب يهودي، وأنّه يعلم أنّه بناء على التّقاليد اليهوديّة فالطّفل اليهوديّ سيكون تابعاً للأم الفلسطينيّة ولن يكون تابعا لأم يهودية، لأنّه لدى اليهود فقط إذا كانت والدته يهودية يُسجّل الطفل كيهودي؟
كيف استطاع الضابط تبديل نِطَاف الأسير بِنِطافه هو، وكيف تمّ توصيلها، ونحن على علم اليقين بأن عمليّة تهريب النِّطاف من قبل الأسرى تتمّ بشكل عبقري، وبخطوات لا تحتمل حتى ولو 1% من الخطأ؟ كيف وصلت النُّطفة ليد الضابط بالرغم من كل الحذر والإجراءات الدّقيقة التي يقوم بها السجناء لتهريب نِطافِهم، والتي لا تترك ولو 1% من الشّك في أنّها تابعة للأسير؟ هذه نقطة نقص في حبكة الفيلم التي غفل عنها صانعو الفيلم وعن أهميّتها الكبيرة، مع التأكيد أنّه من الإجحاف اتّهامهم بالعمالة وبالنّوايا السّيئة تجاه الأسرى وعائلاتهم وأبناء شعبهم، فالممثّلون في الفيلم معروفون بوطنيّتهم وبمبادئهم الثّورية المعروفة، وبتعصّبهم الشّديد لقضيّتهم الفلسطينيّة العادلة ولأسراهم البواسل.
كيف جُوبهت عبقريّة وإبداع الأسرى وسرّية إيصال النِّطاف الى هدفها، بعبقرية الاحتلال او الضّابط الذي يريد أن يثبت أن عبقريّة الاحتلال فوق كل العبقريات؟ غياب بناء شخصية الضابط في الفيلم ونواياه الشّرّانية الاحتلاليّة العنصريّة جعلنا نستنتج من الفيلم أنّه انتصر بعبقريّته الشّريرة على عبقرية الأسرى الإنسانيّين والأخلاقيّين، وزرع بذور الشّك لدى الأسرى وأهاليهم وشعبهم.
والسؤال الأخطر الذي ورّط القائمين على الفيلم أنفسَهم فيه ولم يستطيعوا الإجابة عنه، إلا بالتّخلّص من البطلة "أميرة" وقتلها في النهاية ألا وهو: ماذا سيحدث لو اختلطت جينات الـمُحتلّ بجينات الواقع عليه الاحتلال، أكان ذلك عن عمد او بمحض الصّدفة؟ وهو تساؤل مركّب وشائك يصعب التّكهّن بدقة والإجابة على ما سينتج عن ذلك، ما يستدعي من الـمُنطلقين بهذه الفكرة وتحويلها الى عمل إبداعي سينمائي، وما أفقدهم القُدرة على معالجة مفصَّلة ومُقنعة، وخاصّة عدم التّركيز على شخصيّة فاعل الجريمة، إلّا بلحظات قليلة في نهاية الفيلم.
حسب حبكة الفيلم، فإنّ بقاء "أميرة" على قيد الحياة يشكّل معضلة كبيرة للاستمرار في السّرد، ما يستدعي إنتاج مسلسل طويل يمكنه استيعاب هذه الشّخصيّة التي تحمل جينات ساجنها الصّهيوني، وجينات والدتها الفلسطينيّة، ومكتسبات والدها المسجون الى الأبد.
لم تستطع هذه الفتاة الصّراع من أجل بقائها، وعندما حاولت ذلك قتلها الاحتلال. الظّروف الحاليّة لا تسمح بأن يحمل الأبناء المولودون من مغتصِب ومغتَصَبة انْ يكون قابلاً للحياة، فهي تحمل جينات قاتل محتلّ يعيش بهناء واستقرار مع عائلته الصّهيونيّة المحتلة القاتلة، وتحمل جينات المغتصَبة قَسراً وبغير إرادتها. صحيح أنّ الولادة تمّت بيولوجيّاً بشكل طبيعي، ولكنّها في زمن الاحتلال الغاصب لفلسطين بدت في المحصلة عبثيّة تنمّ عن الكثير الكثير من اللامنطق الـمُستَجَدّ نتيجة ظهورها الى الوجود، ويصعب تخيّلها او البتّ فيها جذريّاً.
هل تَقتلُ مغتصبَ والدتها ومغتصِب هويّتها وحياتها، الذي هو ويا للعبث، هو والدها البيولوجي؟ هل يقبلها شعبها على ما هي عليه؟ هل يصحّ قول "جبران خليل جبران" أنّ "أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة"، بل إنّهم نتاج خلطة غير مرغوب فيها من المحتل والواقع عليه الاحتلال؟
تساؤل مشروع او غير مشروع: ماذا يمكن ان يحدث في هذا الجو العبثيّ الذي نعيشه في منطقة يقوم سارق وطنك ومحتلّك بالاعتداء عليك فيغتصبك مرّة أخرى بعد أن اغتصب كامل وطنك، فينتجُ عن هذا الاغتصاب الـمُتكرّر خلطة جينيّة تصطدم وترتطم بواقع يتعارض مع كلّ كيانها وهويّتها وأصلها وفصلها؟
في فترات الحروب الضارية كانت النّساء يتعرضن للاغتصاب من قبل المحتلّين فينتج عن هذا الاغتصاب مواليد هم من ام لا تستطيع الإنكار أنّ من خرج من رحمها هو وليدها، بينما هو عبثيّاً ناتج عن مغتصِب ومحتلّ وقاتل. هل لهذه المولودة أيّ ذنب لكونها وُلدت على هذا الشّكل المناقض كلّيا لما كان يجب أن تولد بشكل مقبول اجتماعيّاً ووطنيّاً وسياسيّاً وماديّاً وكيانيّاً وأخلاقيّاً، وليس بقوى جينيّة بيولوجيّة ناتجة عن علاقة جنسيّة بين ذكر وانثى؟
جميع هذه الأسئلة الآنفة الذّكر لم يعالجها فيلم "أميرة" لأنها في صلب الفكرة التي انطلق منها، وهذا ما أدى الى كل هذا الارتباك والنّفور والمطالَبة بالتّوضيح، والضّعف في تماسك الحبكة والسّرد، ما جعله يبدو حمّال أوجه.
إن تمحور فكرة انطلاق العمل حول تساؤل ماذا يمكن أن يحدث لو حدث عمدا او خطأ او سهواً اختلاط جينات المحتل بجينات الواقع عليه الاحتلال، أدخل مؤلف ومخرج العمل "محمد ذياب" في دوّامة مصيرِ مثل هذه الفكرة عند نيّته تطويرها الى عمل درامي كامل، ما جعله يحكم بالموت على نتيجة هذه الفرضيّة، بأن جعل جنود الاحتلال يتخلّصون من إمكانيّة أن ترى هذه الخَلطة الجينيّة النّور والحياة، وبأن جعل الإسرائيليين يطلقون النار على "أميرة"، ظنّا من المؤلف المخرج أنّه حلّ المشكلة التقنيّة السّردية الحبكويّة للفيلم، بينما في الحقيقة هو طَرَح فكرة وعالجها وتركها مفتوحة الحلّ، بل أغلق إمكانية الاستمرار في معالجتها، ما يوحي أن هذه القضيّة شديدة التّعقيد ويصعب إيجاد حلّ مقنع للجميع بطرح نهاية سَلِسة ومقنعة للمُشاهد، وما قد يوحي، وربما خطأ في نهاية الفيلم، وفي ثنايا مَشَاهده، بأنّ حدث زَرْع نطفة ضابط إسرائيلي في جسد زوجة الأسير الفلسطيني سيؤدي الى التّفكير بأن بطلته "أميرة" هي نتاجُ تَزاوجٍ بين طرفين عدوّين في جسد واحد، وهو جسد غير قابل للحياة، أي أنّ المحتلّ لا يرى إلّا نفسه الرّابض فوق جسد فلسطين، وكأنّما هذا النّوع من السّلام هو حلّ قسري بين عدوّين أحدهما مغتصِب والآخر مُغتَصَب؟ هل تصبح "أميرة" الناتجة عن حيلة مخابراتيّة نَصَبها العدو للفلسطينيّين لكي يثبت من خلالها أنه احتلال مزروع في كامل فلسطين، فَيَصل احتلاله الى درجة خبيثة وسافلة بزراعة احتلاله في أرحام زوجاتنا وأمّهاتنا، ومن ثمّ قتل النّتيجة لكي يؤكد كامل احتلاله للجسد الآدمي ولجسد الوطن بأكمله حاملاً راية "شعب الله المختار" وحق البقاء لــ"العنصر الآري"؟ إنّه تأكيد من قبل الإسرائيلي على أن من يسعى للبقاء بكل ما أوتي من عبقريّة وذكاء محكوم بالإعدام، وبدلاً من قتل الفلسطيني يجعلونه ينقرض بحكم أنّه محكوم عليه بالسّجن المؤبد خمسين مؤبدا، اي أنّ حاملي جيناته ومكتسباته التّكاثريّة ضدّ حاكمه بالإعدام يجب فناؤه وعدم السّماح له بالتّكاثر وعدم المزيد من إمكانيّة صراع البقاء. وإذا كان بطلكم عقيماً فنحن القادرون على التّخصيب، نستطيع ان نزرع جزءاً منا فيكم ومن ثمّ نقوم بالتّخلص منكم وإبادتكم، وبذلك نؤكّد قوّتنا في البقاء وسعينا في التّشكيك في حقيقة وجودكم، لأننا نعتبر أن وجودنا فيكم مؤقّتا سيخلّ بكامل أخلاقيّاتكم. هذاا التعميم في هذه الحالة ينطبق أيضا على الخاص.
الإسرائيليّون معروفون بأساليب التّعذيب التي ينتهجونها ضد السجناء الفلسطينيّين المناضلين، فهم يقاتلوننا بشراسة وبلا رحمة في صميم أخلاقياتنا وتقاليدنا وهويّتنا، عندما يحضرون للمعتقل أخته او أمّه ويعرّونها أمامه وهو تحت التَّعذيب ويهدّدونه باغتصابهما، لعلمهم أن هذه المسألة تمسّ أسمى ما يملك الإنسان من أخلاق وشرف وكرامة وإنسانيّة، وبهدف إهانته واخضاعه للاعتراف بأسماء رفاقه في التّنظيم، أو إجباره على الاعتراف بتفاصيل العمليّة التي قام بها.
إنّ منع الأسرى من اللقاء الحميم مع زوجاتهم لكي يحظوا ولو بالقليل من حقّهم في الإنجاب، يقابله السَّماح لـــ "يِچْآلْ عَمِيرْ" قاتل رئيس الوزراء الإسرائيلي "يتسحاك رابين"، بزيارة زوجته في السّجن، والاختلاء بها لكي ينتج عن ذلك المزيد من البقاء لذرّيته اليهودية الصهيونيّة، يقابله منع الأسير الفلسطيني من ذلك، عقابا له، وبين أسير فلسطيني يقدّم حياته من أجل قضيّته العادلة، وتفادياً لإمكانيّة إنجاب المزيد من نماذجه غير المرغوب فيها، وفي ذلك قمّة العنصريّة واللا-إنسانيّة، علماً أنّ الفارق شاسع بين متطرّف صهيوني محتلّ، وما استدعى تشغيل العبقريّة الفلسطينيّة في اختراع عدّة وسائل من أجل تحقيق ذلك.
أسيرنا البطل في الفيلم ظُلم عدّة مرات، فهو أسير مدى الحياة لأنّه دافع عن قضيّته الفلسطينية العادلة، ولأنّه حُرم من العيش الطّبيعي مع زوجته وعائلته وأهله، ولأنّه حُرم من الإنجاب لأنّه عقيم، وتمّ الانتقام منه من قبل الضّابط الاسرائيلي عندما قرّر اغتصاب زوجته عن بُعد، أي بزرع نطفته في رحم زوجة الأسير، وفي كل ذلك قمة الإهانة والإذلال والعقاب والسّفالة.
****
*راضي شحادة: مسرحيّ وكاتب وروائي

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]