يتصدر الحديث عن الجامعات، في الأسبوعين الأخيرين، وسائل الاعلام كلها، فبينما في العالم يتحدثون عن تظاهر آلاف الطلاب في الجامعات الأمريكية وجامعات أخرى في أوروبا لوقف الحرب على غزة، في إسرائيل، نتحدث عن محاولات لقمع محاضرة جامعية عربية واعتقالها بسبب مواقفها السياسية وبسبب أبحاثها، وحملات تحريض ضد محاضرة جامعية إسرائيلية بسبب موقفها من أسير مات في السجن.

البروفيسور نادرة شلهوب كيفوركيان، المحاضرة في كلية العلوم الاجتماعية في الجامعة العبرية بالقدس، والتي تدرّس موضوع علم الاجرام، تم اعتقالها في الأسبوع قبل الماضي من قبل الشرطة، وأفرجت المحكمة عنها في اليوم التالي مؤكدةً أن الشرطة لم تقدم أي أدلة أو حجج لتمديد الاعتقال، لكن الشرطة لم تكتف ودعتها لأكثر من تحقيق بعد ذلك. ورغم أن الجامعة العبرية التي تدرس فيها البروفيسور كيفوركيان استنكرت الاعتقال ودعت للافراج عنها، إلا أن الجامعة نفسها التي بدأت الحملة ضد المحاضرة، إذ أوقفتها عن عملها قبل نحو شهرين، بسبب مواقفها ضد الحرب على غزة وبحجة أنها أنكرت حصول جرائم اغتصاب في السابع من اكتوبر، لكن الجامعة بعد ذلك أعادتها إلى العمل، بعدما قالت أن المحاضرة أوضحت أقوالها ذلك اعادتها إلى العمل، إلا أن خطوات الجامعة ضدها، فتحت الباب بعد ذلك لاعتقالها من قبل الشرطة، وقبلها لتوقيفها في المطار والتحقيق معها.

الجامعة منحت الشرطة الشرعية

"تطور خطير جدا، ببساطة، مؤسسة جامعية إسرائيلية منحت الشرعية للشرطة باعتقال محاضرة في الجامعة على خلفية ابحاثها، فتحت لها الطريق للتحري لأول مرة حول انعكاسات واسقاطات البحث العلمي في مجال الاجرام والمس في حقوق الأطفال والنساء على الدعائية الإسرائيلية، وليس على الواقع، انما على الدعائية وصورة إسرائيل في العالم" يقول البروفيسور أمل جمال، المحاضر في جامعة تل أبيب، ويضيف: "هذا تطور غير مسبوق ويجب التنويه بين الفرق بين ادعاء البعض ان مقابلات البروفيسور نادرة فيها نوع من التحريض وبين الادعاء بأن ابحاثها تمس بصورة إسرائيل في العالم وتحرض على إسرائيل، الخلط بين ابحاثها وبين مقابلاتها هو تطور خطير، ففي الدرجة الأولى هنالك مس في حرية التعبير لمواطن اعتيادي، فهي مواطنة. وهنالك مس بشخصيتها كباحثة اكاديمية لها الحق في أن تبدي رأيها في مجال اختصاصها في واقع تجري فيه احداث تجاوزت حدود المعقول من جهة، ولديها الآليات النظرية والمقارنة لإبداء رأي علمي بما يحدث".

موقف الجامعة العبرية ليس الأول، فمنذ السابع من أكتوبر لاحقت عدد من الجامعات المؤسسات الأكاديمية، منها جامعة حيفا والتخنيون، بعض الطلاب بسبب مواقفهم ومنشورات نشروها، يضيف البروفيسور جمّال: "تعرض الجامعة لما قالت هو دلالة على انضمام بعض المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية إلى جوقة تحريض ضد كل انتقاد ممكن لسياسات الحكومة خصوصًا عندما يكون هذا الانتقاد لا يتماشى مع الرأي العام الإسرائيلي، وهذا يعني أن الجامعات تحاول أن تحظى بإعجاب المجتمع الإسرائيلي حتى لو كان موقف هذا المجتمع لا يتماشي مع المبادئ الأساسية لحقوق الانسان والقانون الدولي وحرية التعبير، باعتقادي الجامعة العبرية أخطأت خطأ فادحًا بأنها (قتلت القتيل ومشت في جنازته)، فهي التي فتحت الباب على مصراعيه لتتدخل بهذا الشكل ضد التعبير والبحث العلمي، فقد كان من الممكن التعامل مع ما حصل معها بشل مختلف من قبل إدارة الجامعة، فرغم أنه ليس لديها الحق بالتدخل بمواقف المحاضرة، لكن مع ذلك اذا ارادت أن تمنع الانجرار باتجاهات تمس بثقة الجمهور في الجامعة كان يجب التعامل بشكل مختلف، مع الاخذ بالاعتبار الرسالة الأساسية للجامعة حول استقلالية الرأي، وهذا ما قاله رئيس الجامعة لاحقا ولكنه جاء متأخرًا".

سابقة خطيرة

قد يكون اعتقال البروفيسور نادرة شلهوب هو الأول من نوعه، أول مرة يتم اعتقال محاضرة عربية بسبب مواقفها أو أبحاثها، لكن ملاحقة الأكاديميين ليست بأمر جديد في إسرائيل، تقول المحاضرة في كلية عيمك يزراعيل، د. رنا زهر: "ملاحقة بعض الأكاديميين العرب وحتى اليهود التقدميين ليست بجديدة. فكلنا نذكر ملاحقة بروفسور ايلان بابيه، والمحاضر نزار حسن وغيرهم على مواقفهم السياسية، ولكنه لم يصل حد الاعتقال، بحسب علمي. ان اعتقال بروفسور نادرة شلهوب هو سابقة خطيرة يراد بها كم الافواه واخافة من يود ان ينتقد الحرب ويعلن موقف سياسي، علما ان الحرية الاكاديمية مكفولة بحسب القانون في البلاد، ولكن فقط نظريا وليس فعليا كمان يبدو من الممارسات الاخيرة. فطالما يتحكم وزير المعارف، وهو تعيين سياسي، بتعيين اعضاء لجنة التخطيط والميزانيات وتعيينات اخرى في مجلس التعليم العالي، لن تكون هناك حرية اكاديمية في البلاد، الامر الذي بالضرورة سيؤدي الى ما يسمى بـ "هجرة العقول" بحثا عن مؤسسات خارج البلاد تحترم دورها ودور الاكاديميين بالمجتمع، وهذه خسارة كبيرة لكل مجتمع".

البروفيسور جمال أكد هذا أيضًا: "الموضوع لا يتوقف على البروفيسور نادرة، هذه حالة كنموذج لمتابعة ما يحدث اسرائيليًا بشكل عام وبشكل خاص بما يتعلق باستقلالية البحث العلمي للأكاديميين والعرب بشكل خاص، والشرطة استعملت حالة البروفيسور نادرة لاذلالها أولا وهذا مؤسف جدًا ولكن أيضًا حالة تضبط فيها أجهزة الأمن الشارع العربي وعلى رأسهم الأكاديميين العرب.

بينما يتفاوت تعامل الجامعات العالمية مع الاحتجاجات التي تحصل فيها، خصوصًا في الولايات المتحدة، تشهد الأوساط الأكاديمية في إسرائيل حالة قلق من تغييرات في تعامل المؤسسات الأكاديمية العالمية مع المؤسسات الإسرائيلية، يقول البروفيسور أمل جمال: لا بد من أخذ التطورات الدولية بعين الاعتبار، فاذا كانت هنالك مكانة للمؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية في العالم، فإن ومن بين المتغيرات المختلفة، السبب لهذه المكانة وهذه الثقة هو استقلالية هذه المؤسسات وتعدديتها حتى الآن، وبالتالي ما حدث مع بروفيسور نادرة وما يحدث بشكل خاص وخصوصًا رسالة رئيس الجامعة وفصل بروفيسور نادرة هي مؤشر سيء للاكاديمية الاسرائيلية وأنا أعلم أن بعض المؤسسات العالمية بدأت تعيد النظر بالعمل المشترك مع الأكاديميا الإسرائيلية وأن كل الجامعات في اسرائيل تقوم بتجهيز مستندات وتعد شخصيات للتعامل مع المقاطعة الآخذة بالاتساع للبحث العلمي الإسرائيلي. الجامعة العبرية وجامعات أخرى وقعوا في مطب المقاطعة ولعبوا لصالح الموقف الذي يدعي بأن المؤسسات الاكاديمية الإسرائيلية هي جزء لا يتجزأ من نظام الحكم الأغلباوي في إسرائيل، في نهاية الأمر هنالك تنوع في الجامعات الإسرائيلية ولا بد الإشارة إلى نموذج جامعة تل أبيب ورئيسها الذي يلعب دور مستقل وجرئ وشجاع في كل ما يتعلق بالوضع القائم وبالتالي تجنبت الجامعة اثارة أي شعور بالرقابة أو التحكم بمقولات وحرية التعبير بين محاضريها بغض النظر عن مواقفهم السياسية".

الخوف على استقلالية الأبحاث
وأشار البروفيسور جمال إلى عامل آخر، وهو الأكاديميين الإسرائيليين، الذي تشعرهم ملاحقة البروفيسور نادرة بالقلق على استقلالية أبحاثهم، لا سيما من التخوف بأن تقوم الشرطة وأجهزة الأمن بتحويل هذه الحالة إلى نموذج تتبعه في المستقبل، وتستغل حالات استثنائية في الرأي العام الإسرائيلي من اجل تطبيق سياسات قمعية حول حرية الرأي وخاصة ضد الاكاديميين الفلسطينيين.


ملاحقة البروفيسور نادرة شلهوب كانت الأولى من قبل الشرطة لكنها لم تكن أول الملاحقات لمحاضرين، خصوصًا منذ بداية الحرب، ففقط قبل أسبوعين، تعرضت المحاضرة د.عنات مطر لحملة تحريض من مجموعات يمينية بسبب من الأسير الذي توفي السجن، وليد دقة، بعدما نشرت مجموعة رسائل كانت بينهما وكان يروي لها فيها عن رؤيته حول السلام، يقول د. جمال: "دائما كانت هنالك ضغوطات من قبل طلاب من جهات رديكالية على الجامعات وضد المحاضرين، حول مضمون محاضراتهم وأبحاثهم وأحاديثهم في الإعلام، هذا كان دائمًا، وازداد بالفترة الأخيرة بشكل كبير إلى حد التطرف، وعلى رأسهم جمعية إم ترتسو، حيث يتم تخوين الجامعات اذا لم تقف باتخاذ خطوات ضد محاضرين، عرب ويهود .. والفرق الآن أن الحالة التي نعيشها حساسة إلى درجة بأن أي تفوه حتى وإن كان على هوامش الواقع الحالي يحسب ضد المحاضرين وهنالك عمليات خنق للحرية الاكاديمية وحرية التعبير، وهذا يثبت من جهة انه ما زالت هنالك قيمة خاصة لرأي الأكاديميين كونهم ذوي باع في مجالات اختصاصهم من جهة، ولهذا السبب يتم مهاجمتهم لحجب الامكانية لتطوير نموذج ممكن اتباعه جماهيريًا وشعبيًا. ولكنه يخلق حالة ترهيب عامة ترسخ فكر فاشي مخيف في الحيز العام الإسرائيلي، مثلًا بموضوع د. عنات مطر، الجامعة انتقدت موقفها لكنها لم تتخذ أي خطوات قمعية، لان جامعة تل أبيب نبيهة وليبرالية وواعية بأن هذه التعددية جزء لا يتجزأ من المؤسسات ويجب المحافظة عليها مستقبلًا، ولو كانت د. عنات مطر عربية لكان تعامل جامعة تل أبيب مشابهًا، لا تتحمل الجامعة المسؤولية عن رأي أي محاضر، لكنها لا تتدخل في حرية التعبير".


لم تكن هنالك ردود فعل كبيرة وملحوظة من المحاضرين اليهود على ما حصل مع د. نادرة شلهوب، ولكن ولا حتى من المحاضرين العرب، تقول د. رنا زهر: تعامل المحاضرين والمحاضرات اليهود، وحتى العرب منهم، تفاوت من شخص الى آخر. هنالك من التزم الصمت خوفا على وظائفهم، هنالك من يعتقد ان على المحاضر ان يمرر محاضراته بموضوعية كاملة والا يتدخل بالسياسة، وهنالك من يحتج ويعارض تقييد الحرية الاكاديمية والفكرية للمحاضرين، لكون المحاضر مثقفا عضويا مرتبط بقضايا اهله وشعبه. على سبيل المثال، لا الحصر، هنالك منتدى "أكاديميون من أجل المساواة" والذي يضم العديد من المحاضرين والمحاضرات اليهود والعرب الذين احتجوا بشكل فعال ضد اعتقال بروفسور شلهوب، وارسلوا عدة رسائل لجهات عديدة ذات صلة محتجين على الاعتقال. فالحجة تقابل بالحجة، والمقال بالمقال، ليس الاعتقال".

يضيف البروفيسور أمل جمال: " موقع المحاضرين العرب الفلسطينيين في المؤسسات الإسرائيلية، له ذراعين، اختصاصهم الأكاديمي من جهة، وهويتهم الوطنية وانتمائهم لمجتمعهم من جهة أخرى، لا يمكن محاسبة المحاضرين العرب وفق اهواء الشارع ونزعهم عن انتمائهم وولائهم لمجتمعهم وأثبت المحاضرون العرب مدى مسؤوليتهم الكاملة عن ما يحدث في محيطهم واتخاذ المواقف التي من شانها أن تجسر الشروخات النابعة من حالة الصراع المستمر بين إسرائيل والشعب الفلسطيني وأن يجيروا اختصاصاتهم من أجل طرح البدائل الإنسانية الصحيحة قيميًا ومبدئيًا من أجل مستقبل أفضل لكل الفئات

خطوات

وحول الخطوات التي يجب القيام بها: "باعتقادي التوقيع على عرائض له أهمية رمزية لكن بلا أهمية فعلية حقيقية، اذا كانت هناك خطوات فعلية يجب اتخاذها هو تنظيم المحاضرين العرب قطريًا بشكل يعطيهم إمكانية التعامل مع هذه المواضيع بشكل مدروس وعملي وهذا طبعًا يتعلق بخصوصية هذه المجموعة القليلة التي استثمرت كل حياتها لتصل إلى ما وصلت إليه وبالتالي يجب تحمل المسؤولية عن افرادها بشكل جماعي اخذين بعين الاعتبار بأن هذا التنظيم يجب أن يتم على بشمل منسق معالجامعات، وفتح قنوات تواصل واتصال دائم مع إدارات الجامعات لتغيير سياساتها تحسبًا لواقع مستقبلي ممكن أن نراه قريبًا، لأن التطرف في المجتمع الإسرائيلي آخذ بالازدياد وعلى كل المؤسسات ان تطور سياسات مدروسة ومشتركة من أجل التعامل مع هذا الواقع الحساس كي لا يقع كل محاضر بشكل انفرادي".

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]