تشهد حركة «حماس» في قطاع غزة تغييرات قيادية متسارعة، جاءت في أعقاب الاغتيالات التي طالت عدداً كبيراً من قادتها خلال الحرب الإسرائيلية التي استمرت قرابة عامين. هذه التطورات عززت نفوذ شخصيات مقربة من قائد الحركة السابق يحيى السنوار، الذي قُتل في اشتباك مع قوة إسرائيلية في رفح خلال أكتوبر 2024.

وبحسب مصادر من الحركة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، جرى تكليف الأسير المحرر علي العامودي، عضو المكتب السياسي والمسؤول السابق عن الدائرة الإعلامية، بتسيير أعمال المكتب السياسي في قطاع غزة. وتم ذلك ضمن مجموعة من المقربين من السنوار، معظمهم من سكان خان يونس جنوب القطاع.

ويُعد العامودي، المفرج عنه في صفقة جلعاد شاليط عام 2011، الشخصية الأبرز حالياً في إدارة شؤون الحركة داخل غزة. وتربطه علاقة وثيقة بالسنوار منذ فترة اعتقالهما في السجون الإسرائيلية، واستمرت بعد الإفراج عنهما، حيث رافقه في اجتماعات ومحطات تنظيمية متعددة.

وتؤكد مصادر أن ما جرى لم يكن نتيجة انتخابات داخلية فعلية، بل جاء عبر التكليف والتشاور والتزكية. بينما ترى أطراف أخرى أن هذه الخطوات تمثل التفافاً على اللوائح التنظيمية، في حين يعتبرها مؤيدوها محاولة لسد فراغ قيادي ومنع حدوث خلل داخلي، خاصة مع اختيار شخصيات معروفة بقربها من السنوار، مثل توفيق أبو نعيم وصلاح أبو شرخ.

وتشير المصادر إلى أن العامودي أجرى تغييرات واسعة، شملت إعفاء عدد من القيادات المحلية، خصوصاً من مسؤولي المناطق الذين أصيبوا خلال الحرب، وتعيين بدلاء لهم. كما أقال آخرين تخلوا عن مهامهم أثناء القتال، ولا يزال يعمل على ملء مناصب شاغرة نتيجة الاغتيالات أو الإقالات أو النقل الوظيفي.

هذه التحركات أثارت حالة من الغضب داخل أوساط قيادية في غزة وخارجها. وأفادت المصادر بأن أعضاء في المكتب السياسي خارج القطاع أبلغوا القيادات المحلية أن ما جرى غير مقبول تنظيمياً، وطالبوا بانتظار انتخاب رئيس جديد للحركة خلال الأيام المقبلة، تمهيداً لمعالجة الشواغر بشكل مؤقت إلى حين إجراء انتخابات عامة بعد عام.

وفي مقابل هذا الاضطراب السياسي، تتحدث المصادر عن حالة استقرار نسبي داخل الجناح العسكري. إذ يواصل عز الدين الحداد، الرئيس الجديد لهيئة أركان «كتائب القسام»، إعادة ترتيب البنية التنظيمية بشكل منتظم، ويعقد اجتماعات متواصلة لتعيين قيادات بديلة عن تلك التي اغتيلت خلال الحرب، مع السعي لاحتواء أي خلافات سياسية عبر التواصل مع مختلف الأطراف.

وتوضح المصادر أن الحداد عمل على سد شواغر قيادية عدة، من بينها قادة ألوية في بعض المناطق، مع الإبقاء على قيادات مؤقتة تم تعيينها بعد اغتيال القادة الأساسيين. وكانت إسرائيل قد اغتالت معظم قادة ألوية القطاع، باستثناء لواء مدينة غزة الذي كان يقوده الحداد قبل تعيين مهند رجب بديلاً له.

وتعاني «حماس» من أزمات مالية متفاقمة نتيجة استهداف مصادر تمويلها، لكنها واصلت، ولو بشكل جزئي وغير منتظم، صرف الرواتب والمخصصات خلال الحرب وبعدها.

ويجمع مراقبون على أن الحركة تواجه مرحلة هي الأصعب منذ تأسيسها عام 1987، في ظل تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية اللاحقة. ويرى الكاتب والمحلل مصطفى إبراهيم أن «حماس» دخلت مرحلة تختلط فيها الخسارة العسكرية بالإنهاك التنظيمي والارتباك السياسي، مع قلق عميق بشأن مستقبلها ودورها.

ويشير إلى أن استهداف منظومة القيادة واتخاذ القرار، وفقدان غالبية أعضاء المكتب السياسي ومسؤولي اللجان الإدارية، خلق فراغاً قيادياً كبيراً، وأظهر خلافات داخلية حول طبيعة المرحلة المقبلة: حكم، أم بقاء تنظيمي، أم إدارة أزمة طويلة.

وتخلص مصادر من الحركة إلى أن الوضع لا يسير بسلاسة، لكن ما يحدث طبيعي في ظل حرب مدمرة أفرغت الحركة من معظم قياداتها. وترى أن الفراغ والتباينات أمر متوقع في تنظيم واسع القاعدة، إلى أن تُجرى انتخابات شاملة خلال العام المقبل.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]