قال الشيخ الدكتور كامل ريان، رئيس مركز أمان، إن تصاعد الجريمة وسفك الدم في المجتمع العربي في إسرائيل يفرض سؤالا أخلاقيا ووطنيا ودينيا لا يمكن تجاهله، مؤكدا أن مواجهة هذا الانحدار لا تكون بالغريزة ولا بالثأر، بل بالعقل والقيم. جاءت تصريحاته لموقع "بكرا" على خلفية المعطيات الأخيرة التي تشير إلى مقتل 39 عربيا منذ بداية عام 2026 في سياق الجريمة والعنف.

وأضاف ريان: “أقولها بوضوح ومن موقع الألم لا التنظير: العفو لغة العقل، أما الثأر فلغة الجهل”، مشيرا إلى تجربته الشخصية المؤلمة بعد مقتل ابنه معاذ. وقال: “وقفت على قبر ابني معاذ، رحمه الله، وقلت: لا أريد ثأرا ولا انتقاما، وإنما أريد رحمة من الله لابني، وأريد توبة صادقة من القاتل، وأريد أن يتحمّل مسؤوليته الإنسانية بأن يتكفّل بخمسة أيتام من أيتام غزة”.

الدم لا يوقفه دم 

وأوضح أن هذا الموقف لم يكن لحظة ضعف أو هروبا من الألم، بل نتيجة إيمان عميق بأن “الدم لا يوقفه دم، وأن العنف لا يُطفأ بالعنف، وأن المجتمعات لا تُبنى بردود الفعل، بل بالبصيرة”. وشدد على أن العفو ليس موقفا عاطفيا عابرا، بل أصل ديني ومنهج أخلاقي متكامل، مستشهدا بآيات قرآنية تؤكد أن العفو مقرون بالإصلاح وأجره عند الله، وبقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

وأشار الشيخ ريان إلى أن السنة النبوية ترسخ هذا المبدأ بوضوح، مستشهدا بقول النبي ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه»، وبقوله: «إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، مضيفا أن القوة في ميزان الإسلام ليست في الانتقام بل في ضبط النفس واتخاذ القرار الأخلاقي وقت الألم. كما استشهد بقوله ﷺ: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا»، مؤكدا أن العفو يرفع الإنسان والمجتمع معا.

وأكد ريان أن الخطأ الجسيم هو حصر العفو في صغائر الأمور فقط، مشددا على أن القرآن والسنة يقدمانه كبوصلة أخلاقية شاملة، حتى في أعظم القضايا، مع حفظ الحقوق ومنع الفوضى. وقال: “لا يمكن لمجتمع يطلب الرحمة الإلهية أن يُغلق باب الرحمة بين أفراده”، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.

طمس الهوية الوطنية والدينية والعنف 

وربط الشيخ ريان بين تفشي الجريمة وطمس الهوية الوطنية والدينية، معتبرا أن فصل الإنسان عن أرضه وتاريخه ومنظومته الأخلاقية يحوّل العنف إلى لغة بديلة، والجريمة إلى تعبير مشوّه عن فقدان المعنى. وقال إن الرد الحقيقي على الجريمة لا يكون بالثأر، بل بإعادة الاعتبار للهوية والانتماء للأرض والشعب والمقدسات، وترسيخ القيم التي شكّلت عبر التاريخ صمام أمان للمجتمع.

وأضاف: “يخطئ من يظن أن العفو عجز أو ضعف. العفو هو قمة القوة، وهو أعلى درجات المسؤولية الوطنية والإنسانية والدينية والاجتماعية”. وأكد أن الانتقام قد يرضي الغضب لحظة، لكنه يترك المجتمع أسير دائرة دم لا تنتهي، بينما العفو الواعي يفتح أفق الإصلاح ويمنع الانهيار.

وختم الشيخ كامل ريان تصريحاته لـ"بكرا" بالقول إن اختياره للعفو لم يكن موقفا فرديا، بل رسالة للأجيال القادمة بأن العفو وعي وشجاعة، ورسالة للقاتل بأن باب التوبة مفتوح، وأن العودة إلى المجتمع حق لا يجوز إغلاقه. وأضاف: “بالعفو نحفظ إنسانيتنا، وبالعفو نكسر دائرة الدم، وبالعفو وحده تبقى البوصلة الأخلاقية في اتجاهها الصحيح، من أصغر الصغائر إلى أكبر الكبائر”.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]