في كل عام، ومع اقتراب يوم المرأة العالمي، يتجه النقاش العام نحو قصص النساء اللواتي تركن بصمات في السياسة والاقتصاد والثقافة. لكن حين يُطرح سؤال بسيط على الناس: من هي المرأة الأكثر تأثيرًا في حياتك؟ تكشف الإجابة أحيانًا عن طبقات أعمق من البنية الاجتماعية.

هذا ما أظهره استبيان مجتمعي طُرح فيه هذا السؤال بشكل مباشر. النتيجة كانت واضحة: نحو 71٪ من المشاركين اختاروا الأم باعتبارها المرأة الأكثر تأثيرًا في حياتهم، متقدمة بفارق كبير على شخصيات نسائية أخرى مثل المعلمات أو الشخصيات العامة أو الناشطات.

قد تبدو هذه النتيجة بديهية للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تفتح نافذة على فهم أعمق لطبيعة التأثير الاجتماعي للمرأة داخل المجتمع.

الأم كرمز اجتماعي
في الوعي الجمعي، لا تمثل الأم مجرد فرد داخل العائلة، بل تحمل دلالة رمزية أوسع. فهي غالبًا مصدر الاستقرار العاطفي، وحافظة القيم، والذاكرة الحية للبيت. ومن خلالها تنتقل اللغة والعادات والتقاليد والقصص العائلية من جيل إلى آخر.
ومن منظور سوسيولوجي، يمكن النظر إلى الأم بوصفها أحد أهم حوامل الاستمرارية الاجتماعية؛ فهي الجسر الذي تنتقل عبره الخبرات والقيم بين الأجيال.
وفي المجتمعات التي تعيش ظروفًا غير مستقرة، سواء بسبب الأزمات الاقتصادية أو التوترات الأمنية، يزداد هذا الدور الرمزي أهمية. ففي لحظات القلق وعدم اليقين، يميل الأفراد إلى العودة إلى مصادر الأمان الأولى في حياتهم، وغالبًا ما تكون الأم في مركز هذه الدائرة.

الأمان والعنف في صدارة القضايا
لم يقتصر الاستبيان على سؤال التأثير، بل حاول أيضًا رصد القضايا التي يراها المشاركون الأكثر إلحاحًا في حياتهم اليومية. وقد برزت قضية الأمان ومواجهة العنف في مقدمة هذه القضايا.
تشير هذه النتيجة إلى شعور متزايد بأن العنف لم يعد مجرد حادثة جنائية معزولة، بل أصبح عاملًا يؤثر في جودة الحياة اليومية وفي شعور الأفراد بالطمأنينة داخل مجتمعهم.
بهذا المعنى، يتحول سؤال الأمان من قضية أمنية إلى قضية اجتماعية تمس بنية العلاقات داخل المجتمع.

اختلاف التجربة بين الرجال والنساء
تظهر قراءة النتائج أيضًا بعض الفروقات في زاوية النظر بين الرجال والنساء.
فعلى الرغم من اتفاق الطرفين على أهمية قضية الأمان، فإن النساء يمِلن إلى إعطاء هذه القضايا درجة أعلى من الأهمية، إلى جانب اهتمام أكبر بالصحة النفسية والاستقرار الأسري.
ولا يعكس هذا الاختلاف تباينًا في القيم بقدر ما يعكس اختلافًا في التجربة الاجتماعية. فالنساء غالبًا ما يقمن بدور محوري في إدارة التوازن العاطفي داخل الأسرة، وهو ما يجعل إدراكهن للضغوط الاجتماعية والنفسية أكثر حضورًا في حياتهن اليومية.

فروقات بين الأجيال
عند تحليل النتائج وفق الفئات العمرية، تظهر صورة أكثر تنوعًا. فالمشاركون الأكبر سنًا يميلون إلى إبراز دور الأم بوصفها المرجعية الأساسية في الحياة، وهو ما يعكس فهمًا تقليديًا للأدوار العائلية.
أما الأجيال الأصغر سنًا، فتظهر لديهم صورة أكثر تعددًا لتأثير النساء، حيث يبرز تأثير المعلمات أو الشخصيات النسائية الناشطة في المجال العام.
ومع ذلك، تبقى الأم القاسم المشترك بين مختلف الأجيال، ما يشير إلى استمرار حضورها الرمزي العميق في الوعي الاجتماعي.

دلالات اجتماعية أوسع
تكشف نتائج هذا الاستبيان عن مفارقة لافتة. ففي الوقت الذي يتوسع فيه حضور النساء في الفضاء العام، ما زال التأثير الأكثر رسوخًا في حياة الأفراد مرتبطًا بدور المرأة داخل العائلة.
وهذا لا يقلل من أهمية أدوار النساء في المجالات العامة، بل يذكّر بأن التأثير الاجتماعي لا يقاس فقط بالمكانة أو الشهرة، بل أيضًا بالقدرة على تشكيل حياة الآخرين في مستوياتها الأكثر قربًا وعمقًا.

خاتمة
حين يشعر المجتمع بالقلق وعدم اليقين، يعود الناس غالبًا إلى أبسط مصادر المعنى في حياتهم: العائلة، والذاكرة، والروابط الإنسانية الأولى.
قد تتغير الأدوار الاجتماعية وتتعدد نماذج التأثير النسوي، لكن الأرقام تعيد التذكير بحقيقة بسيطة:
في ذاكرة الناس، غالبًا ما تبدأ قصة التأثير الأولى من الأم.
د. ميسون ريا- وباحثة في قضايا الجندر والمجتمع ومديرة مركز جماهيري

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]