قال الكاتب والحقوقي مرزوق الحلبي إن التحولات السياسية التي شهدتها البلاد، ولا سيما الحرب على غزة وتصاعد سياسات الإقصاء والعنف، ألغت المبررات التي استند إليها دعاة مقاطعة الانتخابات في مراحل سابقة.
وأوضح الحلبي لـ«بكرا» أن السياسة العربية الفلسطينية داخل إسرائيل لا تتطابق مع السياسة الإسرائيلية، حتى لو تحركتا في الساحة الانتخابية ذاتها، لأنهما تنطلقان من مشروعين متناقضين.
وقال: «تسعى السياسة الإسرائيلية إلى تكريس واقع استعماري وفاشي يقوم على التفوق اليهودي، بينما تحاول السياسة العربية الفلسطينية استثمار آلية الاقتراع لمواجهة هذا المشروع وبناء قوة سياسية تعبّر عن إرادة مجتمعها».
مرحلة سياسية مختلفة
ويرى الحلبي أن معظم حجج المقاطعة تنتمي إلى مرحلة سياسية انتهت، حين كانت التسوية وتقاسم الأرض مطروحين، وكانت هناك مساحة تسمح بتعدد الخيارات السياسية، بما فيها خيار المقاطعة.
وأضاف: «نعيش اليوم حالة طوارئ سياسية ووجودية تستوجب إعادة النظر في قناعاتنا وفرضياتنا القديمة. في ظل الإبادة وسياسات المحو والاقتلاع، تسقط كثير من الادعاءات التي استخدمناها للدفاع عن مواقف لم تعد ملائمة للواقع».
وأشار إلى أن قوى اليمين تعلن نياتها بوضوح، ولا تخفي رغبتها في نقل سياسات الحسم من غزة والضفة الغربية إلى قلب المجتمع العربي.
وتابع: «ما نشهده في مجد الكروم والمدن المختلطة، من إقامة بؤر استيطانية تحت غطاء ديني، يؤكد أن المشروع لا يتوقف عند حدود غزة أو الضفة. نحن أمام مسار يستهدف المكان والهوية والوجود السياسي».
«الصوت العربي قادر على صنع الفارق»
ورفض الحلبي الادعاء بأن مشاركة المواطنين العرب لا تؤثر في نتائج الانتخابات، معتبرا أن الجهود التي يبذلها اليمين لخفض نسبة التصويت العربي تثبت عكس ذلك.
وقال: «لو لم يكن الصوت العربي مؤثرا لما حاول اليمين قمع الناخبين العرب والتحريض على ممثليهم وتعطيل الاقتراع في بلداتهم. يفعل ذلك لأن الصوت العربي مهم، ولأنه قادر على إرباك مشروعه وصنع الفارق».
وأضاف أن المشاركة لا ينبغي تحميلها معاني تتجاوز وظيفتها الحالية، فهي ليست تعبيرا عن الثقة بالنظام السياسي، وإنما وسيلة متاحة لمواجهة مشروع يريد تغييب المواطنين العرب عن الفضاء العام.
وتساءل: «إذا كانت الفاشية تقول لك إنها لا تريدك في صندوق الاقتراع، ولا تريد لك أن تنتخب ممثليك أو تبني إرادة سياسية جامعة، فما الذي ستجنيه من الجلوس في البيت؟».
القائمة المشتركة الثلاثية
وقال الحلبي إن القائمة المشتركة الثلاثية، بصيغتها الحالية، هي الأقرب إلى تمثيل المجتمع العربي في هذه المرحلة، والأكثر إدراكا لطبيعة المواجهة ومتطلباتها.
وانتقد انشقاق رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس عن الأحزاب العربية، معتبرا أن هذه الخطوة أضعفت القوة الانتخابية الجماعية للمجتمع العربي.
وأضاف: «خسرنا ورقة انتخابية عندما انشق منصور عباس عن الصف وأدار ظهره لمجتمعه، ثم ذهب بحثا عن قبول مجتمع الثكنة الذي لم يقبله. المقاطعة تضيف خسارة أخرى، وإن كانت أصغر، ويمكن للقائمة الثلاثية تقليصها من خلال رفع نسبة التصويت».
لماذا لم تعد المقاطعة مؤثرة؟
وأوضح الحلبي أن مقاطعة الانتخابات كان يمكن أن تحمل معنى سياسيا في مرحلة احتاجت فيها إسرائيل إلى أصوات المواطنين العرب لاكتساب شرعية دولية، لكن هذا الاعتبار لم يعد قائما في ظل صعود قوى تعمل على محو حضورهم السياسي.
وقال: «لا أثر إيجابيا للمقاطعة في واقع تستقتل فيه الفاشية لحرمان الناخب العربي من فرصته الأساسية في الاعتراض. عندما يريدون لنا أن نغيب، يصبح الحضور موقفا سياسيا وأخلاقيا».
الانتخابات في ظل الحرب وتصاعد اليمين
تأتي تصريحات الحلبي مع احتدام النقاش داخل المجتمع العربي بشأن المشاركة في الانتخابات المقبلة، في ظل الحرب على غزة وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية والأزمة التي تعيشها البلدات العربية.
وتدعو جهات سياسية وشعبية إلى رفع نسبة التصويت وتعزيز التمثيل العربي، معتبرة أن غياب المواطنين العرب عن صناديق الاقتراع يسهّل تشكيل حكومة يمينية ويضعف قدرتهم على التأثير في التشريعات والميزانيات والسياسات العامة.
في المقابل، يتمسك دعاة المقاطعة بموقفهم القائل إن التمثيل البرلماني لم ينجح في إحداث تغيير جوهري في مكانة المواطنين العرب أو في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
لكن الحلبي يرى أن وظيفة المشاركة تجاوزت النقاش التقليدي حول الإنجازات البرلمانية والميزانيات، وأصبحت مرتبطة ببناء إرادة سياسية جماعية في مواجهة الإقصاء.
وختم قائلا: «لا أرى مبررا مقنعا لأي شكل من أشكال المقاطعة في هذه الظروف. لقد ألغت الفاشية بممارساتها كل اعتبارات المقاطعة. المهمة اليوم ليست الحصول على الميزانيات فقط، بل بناء إرادة سياسية جامعة تمكّن المجتمع من مواجهة مصيره بشرف».
[email protected]
أضف تعليق