هناك مراحل تجد فيها مجموعات وطنية أو قومية أو سياسية نفسها مضطرة إلى خوض معركة دفاعًا عن حقها في التعبير عن موقف مغاير لموقف الأغلبية السياسية أو القومية. والمعركة التي نخوضها اليوم ليست منفصلة عن سلسلة طويلة من المعارك على حقنا في قول الحقيقة كما نراها، في مواجهة أحزاب وقوى سياسية وقومية تريد احتكار الحقيقة وتسويقها من منظورها وحدها، حتى عندما يقود تزييف الواقع إلى نتائج مدمرة، كما يحدث في منطقتنا.


في الخمسينيات، منع الحكم العسكري الأقلية الفلسطينية الاي صمدت في وطنها من تعريف نفسها، وفُرض على أهلنا مصطلح "العربي الإسرائيلي". وفي تلك السنوات أيضًا، خيضت واحدة من أهم المعارك القانونية حول حرية التعبير، والتي عُرفت بقضية صحيفة "كول هعام". ودفع توفيق زياد ورفاقه أثمانًا باهظة بسبب تعبيرهم عن موقفهم المناهض للحكم العسكري الذي فُرض علينا.


وفي مراحل لاحقة، دفع شعراء وقيادات أثمانًا بسبب تعبيرهم عن مواقفهم، كما دفعت قيادات سياسية أثمانًا في المحاكم والاعتقالات بسبب مواقفها. اعتقلتنا الشرطة عندما تظاهرنا بحيفا عام 2018، واعتدت جسديا على المتظاهرين والمعتقلين. وهي الشرطة نفسها التي قمعت مظاهرات "القدس والأقصى" في أكتوبر/تشرين الأول 2000، وقتلت خلالها 13 شابًا واعتقلت المئات.
على مدار السنوات، عدّلت الكنيست قوانين "الإرهاب" والانتخابات، فيما واجهنا مرارًا ما نراه معايير مزدوجة في التعامل مع حرية التعبير والتحريض العنصري. خضنا معارك ضد تصريحات ومواقف عنصرية لأمثال عضو الكنيست السابق أفي إيتام وغيره من القيادات السياسية والدينية والإعلامية، ورأينا كيف جرى التعامل معها بصورة مختلفة عن التعامل مع المواقف السياسية الفلسطينية.
الاستئنافات على قرارات لجنة الانتخابات فرصة للحديث عن قمع حرية التعبير، وعن عشرات الصبايا والشباب الذين اعتُقلوا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على خلفية منشورات ومواقف نُشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، وعن آخرين دفعوا أثمانًا في أماكن العمل أو الدراسة بسبب تعبيرهم عن مواقف سياسية اعتبرتها النيابة العامة والمحاكم تحريضًا. وهي النيابة العامة نفسها التي نرى أنها تتجاهل التحريض العنصري على قتل العرب وإبادة الشعب الفلسطيني.
نعم، لدينا مواقف لا تروق للحكومة ولا لقطاعات واسعة من الأغلبية اليهودية، ولم نقبل ولن نقبل الاستعلاء القومي علينا. وفي الانتخابات تحديدًا، من المفترض أن تُفسح المساحة لطرح المواقف المختلفة، بما فيها تلك التي لا تروق للسلطة الحاكمة، أو لأحزاب لجنة الانتخابات، أو حتى للمواقف التي يتبناها قضاة المحكمة العليا.
قد توافق المحكمة العليا على قرارات لجنة الانتخابات وترفض الاستئنافات المقدمة إليها. لكن ما سيحدث خلال الأيام القادمة يتجاوز، بالنسبة لنا، المعركة القانونية وحدها. إنها فرصة لعرض موقف بديل عن الإجماع القائم بين معسكري الائتلاف والمعارضة، وفرصة لإيصال أصوات المعتقلات والمعتقلين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى الرأي العام.
فمعركة الانتخابات ليست معركة في المحاكم فقط؛ إنها أيضًا معركة على الرأي العام العربي واليهودي والعالمي، وعلى قدرتنا على كسر الإجماع السياسي الذي نعتقد أنه ساهم في إيصال اليهود والفلسطينيين إلى الواقع الدموي الذي نعيشه منذ عشرات السنين. إنها فرصة لطرح فكر سياسي بديل يفتح أمام الشعبين طريقًا للخروج من الأزمة التي نعيشها.
المعايير المزدوجة التي نرى أنها تُستخدم في تطبيق القانون وفي قرارات لجنة الانتخابات، والتي قد نواجهها أيضًا أمام المحكمة العليا، تحتاج إلى تحدٍّ سياسي وقانوني وإعلامي وشعبي، دفاعًا عما تبقى من مساحة لحرية التعبير، بعد سنوات دفعت خلالها طالبات جامعيات وممرضات وعاملون آخرون أثمانًا بسبب مقال أو منشور، تراوحت بين الاعتقال والفصل من العمل أو الدراسة.
وفي الماضي، دفع أشخاص ثمن رفع العلم الفلسطيني عندما كان القانون الإسرائيلي يفرض قيودًا عليه، وخيضت معارك سياسية وقانونية طويلة لتغيير هذا الواقع. واليوم أيضًا، لا يمكن الدفاع عن حرية التعبير من دون تحدي القوانين والسياسات التي نرى أنها تقمع التعبير عن المواقف المغايرة، باستخدام الوسائل المتاحة.

يوم الخميس ليس مجرد موعد قضائي.
إنه فرصة لأن يُسمع صوت مختلف؛ صوت يرفض أن يُحاصر شعبنا داخل جدران الإجماع السياسي، ويرفض في الوقت نفسه أن يبقى المجتمع اليهودي أسيرًا لهذا الإجماع.
إنها معركة على حقنا في أن نقول ما نفهمه ونؤمن به، حتى عندما لا يريد الآخرون سماعه.
وقرار القضاة، على أهميته، قد يساهم في تعميق القيود على الحريات أو في حماية بعض ما تبقى منها. لكن هذه المعركة فُرضت علينا، وعلينا أن نستفيد منها للوصول إلى الرأي العام والتأثير فيه، وأن نتعامل مع الاستئناف باعتباره مرحلة من النضال السياسي والقانوني، نطرح خلالها موقفًا مبدئيًا بديلًا ضمن مسار تحرري تراكمي.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]