تطرح تقديرات سياسية في إسرائيل سيناريو غير مألوف، يتمثل في احتمال توجه حزب «يهدوت هتوراه» الحريدي إلى غادي أيزنكوت، إذا أخفق بنيامين نتنياهو في تأمين أغلبية برلمانية من ٦١ مقعدًا، ولم يتمكن المعسكر الساعي إلى استبداله من بلوغ هذه الأغلبية بفارق مقعدين أو ثلاثة.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة «معاريف»، فإن الاتصال المحتمل لن يكون بالضرورة إعلانًا عن تحول أيديولوجي أو انضمامًا إلى حكومة تضم أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت ويائير غولان، بل قد يكون محاولة للتوصل إلى تفاهم عملي: دعم حكومة جديدة مقابل سن قانون يحدد وضع طلاب المعاهد الدينية الحريدية ويتيح لهم مواصلة الدراسة وفق شروط يقبلها الحزب.

أزمة التجنيد تهز التحالف التقليدي مع نتنياهو

لسنوات طويلة، عُدّت الأحزاب الحريدية جزءًا ثابتًا من معسكر نتنياهو، وكان السؤال بعد كل انتخابات يتعلق بحجم المكاسب التي ستطالب بها مقابل مشاركتها في الحكومة، لا بإمكانية انتقالها إلى المعسكر المنافس.

لكن التجربة الحكومية الأخيرة أضعفت هذه المسلّمة، ولا سيما داخل حزب «يهدوت هتوراه». فعلى الرغم من مشاركة الأحزاب الحريدية في حكومة يمينية ومنحها ميزانيات ومناصب ونفوذًا سياسيًا، فإنها لم تتمكن من تمرير قانون يحسم وضع طلاب المعاهد الدينية بشأن الخدمة العسكرية.

وبقي الشباب الحريدي معرضًا لأوامر التجنيد وإجراءات إنفاذ القانون، الأمر الذي أثار تساؤلات داخل المجتمع الحريدي عن جدوى البقاء في تحالف لم يحقق أحد أهم مطالبه.

وتشير الصحيفة إلى أن حزب «شاس» لا يزال ملتزمًا بتحالفه مع نتنياهو، فيما يدور النقاش بشأن احتمال تغيير الاتجاه أساسًا داخل «يهدوت هتوراه». ولا يوجد، وفق التقرير، اتفاق معلن أو مفاوضات منظمة بشأن دعم حكومة أيزنكوت مقابل قانون تجنيد مخفف.

المقاعد الحاسمة ترفع ثمن التفاوض

تتوقف أهمية هذا السيناريو على نتائج الانتخابات وتوزيع المقاعد بين المعسكرين. فإذا تمكن نتنياهو من تشكيل أغلبية مع «شاس» و«يهدوت هتوراه» وبقية أحزاب اليمين، فمن المرجح أن يبقى الحزب الحريدي إلى جانبه.

أما إذا حصل المعسكر المعارض لنتنياهو على ٦١ مقعدًا من دون الحاجة إلى الأحزاب الحريدية، فلن يكون مضطرًا إلى تقديم تنازلات لها. وتظهر المعضلة الحقيقية إذا تراوح رصيد هذا المعسكر بين ٥٧ و٥٩ مقعدًا، بحيث يصبح بحاجة إلى أصوات إضافية لتشكيل الحكومة.

في مثل هذه الحالة، قد تسعى «يهدوت هتوراه» إلى بدء التفاوض مبكرًا، قبل أن تتضح خيارات بقية الأحزاب، مستفيدة من قدرتها المحتملة على ترجيح كفة أحد المعسكرين. وقد تشمل مطالبها قانون التجنيد، إلى جانب الميزانيات التعليمية والاجتماعية والمناصب الحكومية والضمانات المتعلقة بمؤسساتها.

ومع ذلك، فإن طرح هذا الاحتمال لا يعني أن الحزب قرر التخلي عن نتنياهو؛ إذ يمكن أن يكون مجرد ورقة ضغط لدفعه إلى تقديم تنازلات أكبر قبل تشكيل الحكومة المقبلة.

فجوة كبيرة بين مطالب الحريديم ومواقف أيزنكوت

تتمثل العقبة الأساسية أمام أي تفاهم محتمل في التباعد بين مواقف أيزنكوت ومطالب الأحزاب الحريدية.

فقد تعهد أيزنكوت بتوسيع نطاق التجنيد للخدمة العسكرية أو الوطنية أو المدنية، وفرض عقوبات مشددة على المتهربين من الخدمة، وإلغاء آليات الإعفاء والتأجيل القائمة. كما طرح استثناءً محدودًا بنسبة تقارب ٣٪ من كل دفعة تجنيد سنوية للمتفوقين، ليس في دراسة التوراة وحدها، بل في مجالات أخرى أيضًا.

وقال أيزنكوت سابقًا إنه يفضل الذهاب إلى انتخابات جديدة على تشكيل حكومة مقابل ما وصفه بـ«قانون التهرب من التجنيد».

في المقابل، يبحث مسؤولون حريديون عن صيغة لا تؤدي إلى تجنيد أعداد كبيرة من طلاب المعاهد الدينية، مع إمكانية فرض عقوبات اقتصادية يرون أن المجتمع الحريدي قادر على تحملها، من دون عقوبات جنائية على الطلاب.

وبحسب التحليل، قد تشكل نسبة الاستثناءات التي طرحها أيزنكوت نقطة بداية للنقاش، لكن الخلافات بشأن حجم الاستثناءات والعقوبات وشروط الخدمة لا تزال واسعة.

ليبرمان وبينيت وغولان.. عقبات إضافية

لا يستطيع أيزنكوت التوصل إلى تفاهم مع الأحزاب الحريدية بمعزل عن شركائه المحتملين في المعسكر المعارض لنتنياهو.

فأفيغدور ليبرمان يدعو إلى التجنيد للجميع، بمن فيهم المواطنون العرب، وأعلن أنه لن يشارك في حكومة أقلية. أما نفتالي بينيت، فيطالب بحرمان من لا يؤدي الخدمة من الأموال الحكومية، فيما أعلن يائير غولان أن أحزاب الائتلاف الحكومي الحالي لن تكون شريكة في الحكومة التي يسعى إلى تشكيلها.

وبالتالي، فإن أي تنازل يقدمه أيزنكوت للحريديم سيحتاج إلى تفاهم مع حلفائه المحتملين، وقد تكون صيغة الدعم من خارج الحكومة إحدى الوسائل لتقليص الخلافات، لكنها لن تحل المشكلة عند طرح قانون التجنيد للتصويت في الكنيست.

نتنياهو يملك هامشًا أوسع للمناورة

في المقابل، يتمتع نتنياهو بهامش تفاوضي أوسع مع الأحزاب الحريدية، لأنه لا يحتاج إلى إقناع ليبرمان أو بينيت أو غولان بقبول تسوية معها.

ويرى مؤيدو نتنياهو أن الأحزاب الحريدية لا تملك بديلًا سياسيًا مريحًا، وأنها ستعود في نهاية المطاف إلى حليفها التقليدي، خصوصًا أنها قد تتحفظ عن المشاركة في حكومة تضم خصومها السياسيين.

لكن نتنياهو يواجه بدوره معضلة؛ إذ إن تقديم تنازلات واسعة في ملف التجنيد قد يثير غضب ناخبين من اليمين يخدمون في الجيش وقوات الاحتياط، ولا سيما بعد سنوات من الحرب، التي جعلت قضية تقاسم أعباء الخدمة العسكرية أكثر حساسية في المجتمع الإسرائيلي.

هل تصبح المعارضة خيارًا مقبولًا للحريديم؟

يشير التحليل إلى أن البقاء خارج الحكومة لم يعد بالضرورة عامل ضغط حاسمًا كما كان في السابق. فالمعارضة تعني خسارة النفوذ على الميزانيات والتعيينات والوزارات، لكنها تأتي بعد فترة حكومية لم تحقق فيها الأحزاب الحريدية مطلبها الأساسي.

كما أن حزب «يهدوت هتوراه» يعاني انقسامات داخلية، ما يعني أن أي تفاهم مع أحد قياداته لا يضمن بالضرورة موافقة جميع مكونات الحزب أو التزامها بالتصويت لصالحه.

وفي حال فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة، وعجز أيزنكوت عن تقديم تسوية يقبلها الحريديم، فقد لا يتم التوصل إلى اتفاق، مع بقاء احتمال إجراء انتخابات جديدة قائمًا.

الخلاصة: لا توجد حتى الآن مؤشرات على اتفاق فعلي بين «يهدوت هتوراه» وأيزنكوت، ولا على نهاية التحالف الحريدي مع نتنياهو. لكن احتمال تغير موازين القوى قد يمنح الحزب الحريدي فرصة لاستخدام أصواته ورقة ضغط في المفاوضات، بحيث لا يعود السؤال بعد الانتخابات مقتصرًا على ما سيقدمه نتنياهو للحريديم، بل على الطرف الذي سيكون مستعدًا لدفع الثمن السياسي الأكبر للحصول على دعمهم.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]