قدّمت القائمة المشتركة، اليوم الثلاثاء، برنامج عملها في مؤتمر صحفي عُقد في حيفا تحت عنوان «شبكة أمان لشعبنا»، أكدت خلاله قياداتها أهمية مواجهة الملاحقات وحماية حقوق المواطنين العرب. وشدّد رئيس التجمع الوطني الديمقراطي، سامي أبو شحادة، على أن الملاحقة تطال المواطنين العرب في أماكن العمل ومؤسسات التعليم والشارع، متعهدًا بالعمل على وقفها.
لكن، إلى جانب أهمية رفع نسبة التصويت وتعزيز المشاركة السياسية، يظل من حق الجمهور مساءلة الأحزاب عن ممارساتها الداخلية ومدى التزامها بالمبادئ التي تعلنها. فالثقة التي تطلبها الأحزاب من الناخبين لا تُبنى بالدعوة إلى المشاركة وحدها، بل تتطلب أيضًا الشفافية والمحاسبة وتطبيق معايير واضحة وثابتة.
ملف جعفر فرح يعيد طرح أسئلة المساءلة
في هذا السياق، يعود إلى الواجهة ملف حملة «متحرّش اعتزل» وطريقة تعامل الجبهة والتجمع مع الادعاءات بحق جعفر فرح، الذي نفى الاتهامات ووصف ما تعرّض له بأنه ملاحقة سياسية.
ولم تقتصر الاعتراضات على مصير ترشيحه للكنيست، بل امتدت إلى استقلالية إجراءات الفحص، وضمان حق الرد، ومدى تأثير الحسابات الانتخابية والتنظيمية في القرارات المتخذة. وهي أسئلة تتعلق بآليات التعامل مع الادعاءات، ولا تعني بحد ذاتها إثباتها أو نفيها.
حملة تتجاوز الجدل حول مرشح واحد
أطلقت جمعيتا «نساء ضد العنف» و«السوار – حركة نسوية عربية» الحملة في آب/أغسطس 2026، بهدف مواجهة التحرش واستغلال النفوذ وثقافة الصمت المحيطة بهما. وقد طُرحت الحملة باعتبارها قضية مجتمعية أوسع من شخص أو مؤسسة بعينها، إلا أن الاهتمام الإعلامي والسياسي تركز إلى حد كبير على فرح وترشيحه للكنيست.
ويفتح هذا التفاوت بين أهداف الحملة الواسعة وتركيز النقاش على مرشح واحد باب التساؤل عن استمراريتها ونتائجها: ما الذي تحقق خارج الجدل بشأن الترشيح؟ وما الإجراءات التي اتخذتها المؤسسات والأحزاب لمعالجة الشكاوى وفق معايير ثابتة؟ وكيف يمكن متابعة هذه النتائج مع الحفاظ على خصوصية النساء المتوجهات؟
الجبهة: تعليق الترشيح مع استمرار الدور الانتخابي
في حالة الجبهة، تتعلق المساءلة بطبيعة الإجراءات والمعايير التي اعتمدتها في التعامل مع الملف. فقد شكّلت لجنة فحص وناقشت القضية داخل مؤسساتها، قبل أن يصف بيانها الصادر عقب اجتماع مجلسها في 7 أيلول/سبتمبر القرار بأنه توافق على تعليق ترشيح فرح للدورة الحالية، مع استمراره في العمل السياسي والمساهمة في قيادة الحملة الانتخابية.
ويثير هذا الموقف سؤالًا بشأن الأساس الذي استند إليه الفصل بين تعليق الترشيح واستمرار الدور القيادي الانتخابي. فهل جاء القرار وفق معيار مهني واضح يمكن تطبيقه في حالات أخرى، أم أنه مثّل تسوية تنظيمية هدفت إلى معالجة أزمة الترشيح؟
وكان سكرتير الجبهة السابق والكاتب عودة بشارات قد أثار اعتراضات على اختصاص أعضاء لجنة الفحص واستقلاليتهم، مشيرًا إلى احتمال وجود تضارب مصالح داخل الإطار الحزبي. واقترح تشكيل لجنة مستقلة برئاسة قاضٍ أو قاضية متقاعدة، وبمشاركة مختصين.
وتتناول هذه الانتقادات صلاحية الإجراءات والضمانات المحيطة بها، ولا تشكّل بحد ذاتها حكمًا بشأن صحة الادعاءات أو نفيها. لكنها تضع على جدول الأعمال ضرورة توضيح المعايير التي تحكم عمل لجان الفحص، وكيفية ضمان استقلاليتها.
التجمع: مبادئ معلنة وآليات تحتاج إلى توضيح
من جهته، أكد التجمع الوطني الديمقراطي في بيانه أن الدفاع عن حقوق النساء جزء من مشروعه الوطني، ورفض إسكات المشتكيات أو توظيف قضايا النساء في التجاذبات السياسية. لكنه جمع بين التعبير عن الثقة بقدرة شركائه على اتخاذ الخطوات اللازمة، والدعوة إلى إقامة آليات مستقلة ومهنية وآمنة للفحص والمساءلة.
وهنا تبرز إحدى نقاط النقد الأساسية: الثقة بالشركاء لا تُغني عن ضمانات واضحة ومعلنة. فالبيان لم يحدد آلية مستقلة لفحص القضية، أو جدولًا زمنيًا لتنفيذ المرجعية التي دعا إليها، أو مسارًا يتيح للجمهور تقييم مدى عدالة الإجراءات.
ومن حق الجمهور أن يسأل كيف ستتحول المبادئ المعلنة إلى التزامات عملية داخل الحزب وفي علاقته بشركائه، وما الضمانات التي تحول دون اختلاف المعايير باختلاف الأشخاص أو الظروف السياسية.
وقد تناولت انتقادات منشورة هذه الفجوة بين الخطاب والممارسة. فتساءلت معقبات عن مدى اتساق معايير التجمع عند التعامل مع قضايا داخلية، فيما انتقد الصحافي سليم سلامة توقيت صدور البيان، مشيرًا إلى أنه جاء بعد 26 يومًا من انطلاق الحملة. وتركزت هذه الاعتراضات على ضرورة ثبات المعايير وإجراء فحص مهني ومنصف لجميع الأطراف.
السوار: الحملة ليست مرتبطة بالانتخابات وحدها
في المقابل، قالت مديرة جمعية السوار، لمياء نعامنة، إن الحملة تستند إلى عمل وتوجهات تراكمت على مدى سنوات، رافضة اختزالها في السياق الانتخابي. وأوضحت أن الجمعية تفحص الشهادات بمشاركة محامية، مع مراعاة إرادة النساء المتوجهات إليها عند اتخاذ الخطوات اللازمة.
وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار حسم مسألة الترشيح دليلًا على انتهاء الحملة أو تحقيق أهدافها. غير أن استمرارها يطرح بدوره أسئلة مشروعة بشأن آليات المتابعة، والنتائج التي تحققت، ومدى قدرة المؤسسات والأحزاب على تحويل النقاش العام إلى إجراءات واضحة ومستدامة.
المساءلة لا تتناقض مع حماية النساء
إن المطالبة بإجابات بشأن إدارة الملف لا تعني إسكات النساء أو التقليل من أهمية مواجهة التحرش، مثلما أن حماية النساء لا تعفي المؤسسات من توضيح إجراءاتها وضمان الإنصاف لجميع الأطراف. كذلك، فإن الحديث عن الملاحقات التي يتعرض لها المجتمع العربي لا يلغي مسؤولية الأحزاب عن مراجعة ممارساتها عندما تواجه انتقادات تتعلق بالإقصاء أو الانتقائية في تطبيق المعايير.
وأمام الجبهة والتجمع اختبار يتجاوز إصدار البيانات وصياغة المواقف السياسية، ويتمثل في إعلان قواعد ثابتة، وضمان استقلالية الفحص، وحماية خصوصية المشتكيات وحق الرد، وتطبيق المعايير نفسها داخل الحزب وخارجه.
إن الدعوة إلى رفع نسبة التصويت لا تستلزم الصمت عن هذه الأسئلة، بل تجعل الإجابة عنها أكثر إلحاحًا. فتعزيز المشاركة السياسية يتطلب بناء الثقة، والثقة لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالشفافية والمحاسبة والالتزام العملي بالمبادئ المعلنة، بما يتيح للجمهور اتخاذ قراره الانتخابي على أساس المعرفة لا الاكتفاء بالوعود.
[email protected]
أضف تعليق