قبل 30 عامًا، ساهمت سلسلة من العمليات التفجيرية في قلب المنافسة الانتخابية بين شمعون بيرس وبنيامين نتنياهو. واليوم، قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية، تثير عملية الخليل تساؤلات بشأن احتمال توظيف التصعيد الأمني في تغيير أولويات الناخبين وتعزيز فرص نتنياهو في البقاء في الحكم.
1996: من تقدم بيرس إلى فوز نتنياهو
عقب اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين على يد متطرف يهودي في 4 نوفمبر 1995، تولى شمعون بيريز رئاسة الحكومة، وسط تعاطف شعبي واسع مع رابين ومعسكر السلام، الذي كان أكثر انفتاحًا على مواصلة عملية السلام من حزب الليكود اليميني.
وأظهرت استطلاعات الرأي آنذاك تقدم بيرس على نتنياهو بفارق كبير وصل، في بعض الاستطلاعات، إلى 20 نقطة مئوية. وفي ظل هذه الأجواء، تقرر تقديم موعد الانتخابات إلى مايو 1996 بدلًا من أكتوبر، وسط آمال باستثمار التأييد الشعبي لبيريز ومعسكره.
لكن المشهد انقلب قبل الانتخابات بأسابيع، مع سلسلة من العمليات التفجيرية التي تبنتها حركة حماس.
وخلال 9 أيام، وقعت 4 عمليات في القدس وعسقلان وتل أبيب، وأسفرت، بحسب الرواية الواردة في التقرير، عن مقتل نحو 59 شخصًا وإصابة أكثر من 200 آخرين، ما أحدث تحولًا في المزاج العام وأعاد الملف الأمني إلى صدارة الاهتمام الإسرائيلي.
من تقدم بـ15 نقطة إلى خسارة الانتخابات
تكشف استطلاعات الرأي عن حجم التحول الذي شهدته المنافسة آنذاك. ففي استطلاع نُشر في 9 فبراير 1996، تقدم بيرس بنسبة 51% مقابل 36% لنتنياهو، بفارق 15 نقطة مئوية.
لكن بعد موجة العمليات التفجيرية، انقلبت المؤشرات خلال أقل من شهر، لتظهر بعض الاستطلاعات تقدم نتنياهو بنسبة 49% مقابل 46% لبيريز.
واستثمر نتنياهو هذا التحول في حملته الانتخابية، مركزًا على الأمن، ومشككًا في قدرة اتفاقيات أوسلو والتنازلات السياسية على ضمان سلامة الإسرائيليين.
وفي 29 مايو 1996، حقق نتنياهو فوزًا ضيقًا على بيريز، بفارق يقارب 30 ألف صوت، في نتيجة شكلت نقطة تحول في السياسة الإسرائيلية.
وهكذا، أظهرت انتخابات 1996 كيف يمكن لسلسلة من الأحداث الأمنية، في توقيت حساس، أن تؤثر في اتجاهات الناخبين وتعيد تشكيل المنافسة السياسية، من دون أن يعني ذلك أنها العامل الوحيد الذي حسم النتيجة.
2026: عملية الخليل تعيد الأمن إلى واجهة المعركة
بعد 3 عقود، تعود المقارنة التاريخية إلى الواجهة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة يوم الثلاثاء، في ظل منافسة انتخابية متقاربة، وفقًا للاستطلاعات الأخيرة المشار إليها في التقرير.
وقبل 4 أيام من الانتخابات، نفذ فلسطينيان عملية مسلحة قرب الخليل، أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة 3 آخرين، وتبنت حركة حماس العملية.
وعقب الهجوم، أمر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بإغلاق مدينة الخليل والاستعداد لفرض إغلاق على الضفة الغربية، كما توعد بعملية عسكرية واسعة تشمل مداهمة الأحياء والمنازل الفلسطينية وهدم منازل وتهجير سكانها، وفق ما أورده التقرير.
من جهته، وصف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير العملية بأنها تذكير بهجوم 7 أكتوبر، معتبرًا أنها قد تتكرر في الضفة الغربية.
وتعيد هذه التطورات الملف الأمني إلى صدارة المشهد الانتخابي، في وقت يسعى فيه نتنياهو إلى الحفاظ على موقعه السياسي، وسط تحديات انتخابية وقضائية.
هل يستثمر نتنياهو التصعيد لتعزيز فرصه؟
تكمن المفارقة في أن نتنياهو كان عام 1996 زعيمًا للمعارضة، واستفاد سياسيًا من المخاوف الأمنية التي أعقبت التفجيرات، لتقديم نفسه باعتباره البديل القادر على التعامل مع التهديدات.
أما اليوم، فهو رئيس الحكومة، ويواجه احتمال خسارة الحكم وما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية وقضائية، في ظل محاكمته في قضايا فساد.
ومن هنا، يطرح التصعيد في الخليل سؤالًا بشأن إمكانية أن تتحول العملية إلى عامل مؤثر في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، عبر إعادة توجيه النقاش العام من أداء الحكومة وإخفاقاتها إلى قضايا الأمن ومواجهة الفلسطينيين.
لكن المقارنة بين عامي 1996 و2026 لا تعني بالضرورة تكرار النتيجة نفسها؛ فالمشهد السياسي، وتركيبة الأحزاب، ومواقف الناخبين، والظروف الأمنية تختلف بين المرحلتين.
هل تحسم الأيام الأخيرة مصير الانتخابات؟
يبقى السؤال المطروح: هل تمنح عملية الخليل نتنياهو فرصة انتخابية تساعده على البقاء في الحكم، كما ساهمت العمليات التفجيرية عام 1996 في تعزيز موقعه أمام بيريز؟
قد تتضح الإجابة مع صدور النتائج مساء الثلاثاء، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن الأحداث الأمنية التي تقع قبيل الانتخابات يمكن أن تغيّر أولويات الناخبين وتؤثر في خياراتهم، حتى إن لم تكن وحدها كافية لحسم النتيجة.
[email protected]
أضف تعليق