حذّر الدكتور ميخائيل ميلشتين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، والرئيس السابق للساحة الفلسطينية في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، في تصريحات قدّمها لـ«بكرا»، من أن سياسات الضم وتوسيع الاستيطان والسعي إلى إسقاط السلطة الفلسطينية تدفع إسرائيل نحو عزلة دولية، وتهدد اقتصادها وعلاقاتها الإقليمية وتماسكها الداخلي.

ورأى ميلشتين أن النقاش الإسرائيلي حول احتمال فرض عقوبات مصرفية دولية ينشغل بسبل الالتفاف عليها، بما فيها استخدام العملات الرقمية، ويتجنب مواجهة السؤال المتعلق بالأسباب التي قد تدفع المجتمع الدولي، وحتى الولايات المتحدة، إلى التخلي عن إسرائيل. وأكد أن الإجابة تكمن أساساً في ما يجري في الضفة الغربية، من ضم تدريجي ورفض لأي نقاش بشأن تسوية سياسية، وصولاً إلى عنف المستوطنين الذي وصفه بأنه غير مسبوق وتغذّيه القومية المتطرفة والأفكار الخلاصية.

الاستيطان مشروع أيديولوجي يُفرض على الأغلبية

واعتبر ميلشتين أن «ثورة الاستيطان» التي يروّج لها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش مشروع تتبناه أقلية بدوافع عقائدية وتفرضه على الأغلبية، رغم محاولات تقديمه باعتباره مشروعاً وطنياً يحظى بالإجماع ويوفر الأمن للإسرائيليين. وأشار إلى أن معظم الإسرائيليين لا يعبرون الخط الأخضر ولا يعرفون حقيقة ما يجري في الضفة الغربية، فيما يسوّق أنصار المشروع الاستيلاء على الأرض الفلسطينية باعتباره أحد دروس السابع من أكتوبر.

وأوضح أن المشروع لا يقوم على خطة استراتيجية، بل على رؤية أيديولوجية تستهدف توسيع مساحة إسرائيل وتغيير طابعها، لتصبح أكثر تديناً وأكثر خضوعاً لتأثير المرجعيات الدينية في قضايا الأمن والسياسة. وربط هذه الرؤية بترسيخ عدم المساواة وتطبيع جرائم الحرب، وفي مقدمتها ما يُسمّى «التهجير الطوعي»، محذراً من أن مواصلتها ستدفع إسرائيل نحو نبذ دولي واسع.

وفي تعليقه على انتقادات قيادات استيطانية لعنف «شبيبة التلال» بسبب إضراره بصورة الاستيطان، رأى ميلشتين أن هذا الموقف يتجنب جوهر المشكلة، إذ لا يمكن فصل الاستيلاء على الأراضي وإقامة البؤر والمزارع الاستيطانية والسيطرة المستمرة على السكان من دون منحهم حقوقاً، عن العنف الذي ينشأ في ظل هذا الواقع. وشدد على أن أي حملة دعائية لن تنجح في تبرير الضم التدريجي أو الاعتداءات المصاحبة له.

إسقاط السلطة يهدد الاقتصاد والعلاقات الإقليمية

وحذّر ميلشتين من أن ثمن التوسع الاستيطاني يتجاوز الساحة الفلسطينية، ليشمل انقسامات داخل إسرائيل حول القيم وهوية الدولة، وتراجع مكانتها السياسية ووضعها الاقتصادي، وتقويض فرص التطبيع مع دول المنطقة، فضلاً عن ارتفاع احتمال تدهور العلاقات مع الدول التي تربطها بها اتفاقيات.

وأوضح أن فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية يعني إسقاط السلطة الفلسطينية وإخضاع نحو ثلاثة ملايين فلسطيني للسيطرة الإسرائيلية المباشرة، تمهيداً لمغامرات أيديولوجية إضافية تستند إلى الاعتقاد بأن الموقف الدولي لا أهمية له. ورأى أن الجمع بين هذا المسار وحروب متواصلة في مختلف الجبهات يهدد بتحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة ومتطرفة ومنغلقة.

وفي المقابل، طرح ميلشتين إمكان تبني مسار آخر يقوم على امتلاك القوة وفهم حدودها، واستخدامها بصورة محسوبة، إلى جانب نقاش بشأن استراتيجية وأفق سياسي. وانتقد تهميش هذا النقاش في إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، لصالح تقديس العمل الهجومي والتعامل معه باعتباره الإجابة على مختلف التحديات.

تحذير من تأجيج الأزمات قبيل الانتخابات

وأعرب ميلشتين عن قلقه من الخطاب المتعلق بالضفة الغربية في الفترة المحيطة بالانتخابات، محذراً من احتمال تأجيج أزمات لدوافع سياسية. وأشار إلى أن الحديث عن احتمال توجيه أجهزة السلطة الفلسطينية سلاحها ضد إسرائيل يثير تساؤلات بشأن أساسه الاستخباراتي، وما إذا كان يُستخدم لتحديد هدف سياسي بمعزل عن الوقائع.

وانتقد، في هذا السياق، دعوة نتنياهو إلى عملية واسعة في الخليل وإخلاء مناطق من سكانها الفلسطينيين، على غرار ما جرى في مخيمات شمال الضفة، رغم اختلاف الظروف، إلى جانب محاولات سموتريتش المتكررة البحث عن ذرائع لتحقيق هدفه بإسقاط السلطة الفلسطينية.

وأكد ميلشتين أن الضفة الغربية ستكون عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل إسرائيل، وأن خطورة المرحلة لا ترتبط بنتائج الانتخابات وحدها، بل أيضاً بكيفية التعامل مع احتمال تشكيل حكومة تتبنى سياسة مختلفة. وحذّر من أن نزع الشرعية عن الخصوم، والادعاء بوجود توجيه إلهي، وتصوير أي تغيير سياسي باعتباره عرقلة للخلاص، تزيد احتمالات الانزلاق إلى صراعات داخلية.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]