قال د. أساف دافيد، المؤسس المشارك لمنتدى التفكير الإقليمي والمدير الأكاديمي للمنتدى، في تصريحات لـ"بكرا" إنه شارك الأربعاء الماضي في مؤتمر "عيون على غزة" في جامعة حيفا، ولاحظ أن الحرم الجامعي كان “مكتظًا بالشرطة وقوات الأمن”، وأن الدخول إلى المبنى الذي استضاف المؤتمر كان “شبه مستحيل دون استجواب أمني صارم”.

وأضاف دافيد لـ"بكرا" أن لحظة واحدة في الجلسة الأولى لخصت عمق الشرخ الداخلي. فعندما استخدم أحد المتحدثين مصطلح “الإبادة الجماعية في غزة”، نهضت شابة من الجمهور وسألت بصوت مرتجف إن كان الحديث يعني أن شريكها “قاتل”. لم يسمع كل كلماتها، لكنه شعر أن ما تقوله ليس استفزازًا ولا بحثًا عن شغب، بل “ألم حقيقي وحسرة عميقة”، وقال: كان يجب الإصغاء لها بدل إسكاتها.

وخلال الاستراحة، تابع دافيد لـ"بكرا"، التقى أحد المعارف الذي أخبره أن الشابة خرجت من القاعة في حالة اضطراب شديد، وأن عددًا من الحاضرين رافقوها إلى الخارج. وتبيّن أن شريكها قُتل “دفاعًا عن البلاد” في أحداث 8 تشرين الأول. ونقل دافيد عنها قولها: “أنا يسارية. شريكي كان يساريًا. أواصل التعلّم والعمل مع العرب. لكنني لم أعد أعرف ماذا أفكر، ولا ماذا تعني كلمة يسار اليوم”.

وأوضح دافيد لـ"بكرا" أنه قرر في تلك اللحظة أن يوجّه رسالته إليها علنًا، حتى لو لم تعد موجودة في القاعة، لأن ما قالته ليس سؤالًا فرديًا، بل سؤال مجتمع كامل.

مرآة لحيرة واسعة 

وقال: قلبي مع هذه الشابة. حرقتها ليست شأنًا شخصيًا فقط، بل مرآة لحيرة واسعة داخل المعسكر اليساري. نحن لا نخاطبها من موقع من “يعرف كل شيء”. نحن نقف معها، ونحمل شكوكًا وأسئلة مشابهة. الألم الوطني ليس ملكًا لطرف واحد، وهناك من يحمل فوقه ألمًا شخصيًا يفوق الاحتمال.

وشدد دافيد لـ"بكرا" على أن من قاتل وقُتل دفاعًا عن الوطن ومواطنيه “ليس مجرم حرب”، وأضاف: هو بطل. لكنه في الوقت نفسه أكد أن ذلك لا يلغي ما يتراكم من شهادات، بينها شهادات جنود وضباط، عن “جرائم حرب وانتهاكات جسيمة” ارتُكبت على نطاق واسع في غزة. وميّز بين المسؤولية الفردية والمسؤولية القيادية، قائلًا إن المحاكم الدولية لا تحاكم عادة الجنود الأفراد، لكن القادة الكبار الذين أصدروا الأوامر وقادوا ورفضوا التهدئة “يجب أن يُحاسَبوا”.

وفي توصيفه للمشهد السياسي، قال دافيد لـ"بكرا" إن البلاد “واقعة بين أيدي مجموعة من المجانين” أعلنوا انقلابًا على منظومة الحكم في كانون الثاني 2023، رغم تحذيرات متكررة من قمة المؤسسة العسكرية والأمنية من أن المسار يقود إلى كارثة. وأضاف أن هؤلاء “سخروا وضحكوا” ثم جاءت “كارثة أكتوبر”.

وتابع أن المرحلة الأولى من الحرب، التي استمرت نحو ثلاثة أشهر، شهدت طرح تصورات داخل الجيش لإنهاء الحرب وإعادة المحتجزين الأحياء والسماح بدخول الحكومة الفلسطينية الشرعية إلى غزة واستبدال حماس تدريجيًا، لكن “نظام نتنياهو” وقف ضد ذلك، وجرّ البلاد إلى “حرب لا نهاية لها”، ارتُكبت خلالها، بحسب وصفه، جرائم مروّعة، بينها تجويع السكان والتطهير العرقي، وهي تعبيرات قال إن مسؤولين رفيعي المستوى سابقين تجرأوا على استخدامها.

حكومة تدفع الكل نحو الهاوية 

وأضاف دافيد لـ"بكرا" أن النظام تخلّص على الطريق من كل من حاول كبح سياساته، وأقام حكومة متجانسة تدفع الجميع نحو الهاوية. وقال إن “مسؤولية نظام نتنياهو هائلة ولا يمكن تصورها”، ويجب أن يُحاسَب أولًا أمام أبناء البلاد ثم أمام المحاكم الدولية. ورأى أن آثار ما جرى “سترافقنا لعقود”، وأن حجم التصحيح المطلوب كبير جدًا.

وختم دافيد تصريحاته لـ"بكرا" بالقول إن الخطوة الأولى التي لا بد منها هي “إسقاط نظام نتنياهو المجرم والفاسد”، مضيفًا أن تحركات بدأت في هذا الاتجاه، وأن اليسار يقترح البدء بالتصحيح الآن لمنع خسائر فادحة أخرى، مثل تلك التي تجسدها مأساة الشابة. “اليمين”، بحسب قوله، يقترح استمرار القتل إلى ما لا نهاية. ثم أنهى: “الآن… الخيار أمامنا”.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]